READING

الأكوان الموازية بين النظريات والأدلة...

الأكوان الموازية بين النظريات والأدلة

الأكوان الموازية

هل كوننا وحيد هل نحن لوحدنا؟  لعلها الأسئلة البديهية الأولى التي قد تلفت انتباه أم إلى أن طفلها يعي وجوده. وابتداءً من الخيال العلمي وحتى الحقائق العلمية، درَج مفهوم يقترح إمكانية وجود أكوان إلى جانب كوننا، واقعها هو ملعب خياراتنا في كوننا الحالي. ويُعرف هذا المصطلح بالأكوان الموازية، وهو واجهة النظرية الفلكية القائلة بالأكوان المتعددة.

هذه الفكرة منتشرة في كتب المغامرات، وعلى التلفاز والسينما. والأفلام والإصدارات التي أشارت وتناولت ذلك كثيرة ومنها  Buffy the Vampire Slayer و Star Trek و Doctor Who و Digemon وهي تستخدم هذا الاصطلاح أو هذه الفكرة لتوسيع دائرة الحدث.

وبعيدًا عن الكوميكس، أو قريبًا منها، هنالك أدلة ولو كانت قليلة على أكوان متعددة، والفكرة مفيدة بالدرجة الأولى “عدا عن الأمل بمشاهدة خياراتنا أو أمانينا تترجم إلى واقعٍ في عالمٍ آخر” في فهم الكيفية التي كان بها كوننا.

حول الأكوان المتعددة

بداية الرحلة نحو الأكوان الموازية لا بد من أن تبدأ من هنا، من الأكوان المتعددة.

ببساطة، منذ 13.7 مليار عام، كل ما نعرفه في الكون الآن كان عبارة عن متفرد singularity متناهي الصغر.  بعد ذلك، ووفق نظرية الانفجار العظيم، سببت شرارة توسع الكون وتمدده في ثلاثة أبعاد، وبتراجع مقدار طاقة التوسع الكبيرة الأولية، بدأ الضوء بالإشعاع عبر الكون، وفي النهاية، بدأت الجسيمات الصغيرة تشكل أجزاء أكبر من المادة التي نعرفها اليوم، كالمجرات والنجوم والكواكب.

ومن أكبر التساؤلات التي تراودنا حيال هذه النظرية: هل نحن الكون الوحيد الموجود؟ وبالتكنولوجيا التي نمتلكها حاليًا، تقتصر مشاهداتنا على هذا الكون، لأن الكون منحني ونحن موجودون داخل حوض سمك كروي، ولسنا قادرين على مشاهدة ما عداه (في حال كان هنالك المزيد من الأكوان).

وهنالك خمس نظريات تشير إلى السبب الذي يجعل للأكوان المتعددة حيزًا بارزًا في علم الفلك، وهي:

  1. نظرية تعدد الأكوان: نحن لا نعرف حتى الآن الشكل الحقيقي للزمكان، وتقول إحدى النظريات البارزة بأنه مسطح، ومستمرٌ إلى اللانهاية. وهذا مبرر لوجود الأكوان المتعددة. ولكن بوضع ذلك بعين الاعتبار، فمن الممكن أن تبدأ الأكوان بتكرار نفسها، وهذا بسبب محدودية الطرق التي يمكن للجسيمات عبرها أن تجتمع.
  2. الأكوان الفقاعية: هذه النظرية تستند في معقوليتها على التوسع الأبدي للكون. وبالاستناد إلى دراساتٍ عدة؛ عند النظر إلى الزمكان نظرةٍ إجمالية، تتوقف بعض مناطق الفضاء عن التمدد بالطريقة التي تنص عليها نظرية الانفجار العظيم. وفي الوقت ذاته، تستمر المناطق الأخرى بالتمدد. لذا إذا صورنا كوننا بفقاعة، سنجد أنه واقعٌ في شبكة من الأكوان الفقاعية المؤلفة للفضاء. والأمر المثير للاهتمام في هذه النظرية هو أن هذه الأكوان يمكن أن تستقل بقوانينها الفيزيائية عن بعضها البعض، كونها ليست متصلةً ببعضها البعض.
  3. الأكوان الطفلة: ربما كانت نظرية الأكوان المتعددة متسقة مع نظرية ميكانيكا الكم(النظرية التي تصف سلوك الجسيمات دون الذرية)، وذلك كجزء من نظرية تُعرف بنظرية الأكوان الطفلة. ولو نظرت إلى نظرية الاحتمالات، فهي تشير إلى أنه لكل نتيجة تنتج عن إحدى خياراتك، سيكون هنالك طيف واسع من الأكوان- تسري في كل منها أحد خياراتك. حيوات أخرى تحظى فيها بخيارات أخرى، كأن تعيش الحالة مثلا التي كنت فيها متجهًا إلى صديق، وقاطعك حدث ما في الطريق، ربما ستعيش حدث الوصول إلى صديق، وكذلك الحالة التي طرأ فيها طارئٌ ما، لكن في كونين منفصلين.
  4. الأكوان الرياضية: مسار آخر يمكن سلوكه وهو يتحرى الأكوان الرياضية، وتقول هذه النظرية ببساطة أن بنية الرياضيات ربما تتغير وفقًا للكون الذي توجد فيه. والبنية الرياضية هي أمر يمكنك وصفه بطريقة مستقلة تمامًا عن الموروث البشري. وهي تصف أكوان موجودة دون الضرورة لوجود البشر فيها. أرقام فقط هي مالدينا تقصي الموروث البشري جانبًا بكل ما فيه.
  5. أخيرًا وليس آخرًا، الأكوان الموازية: بالرجوع إلى فكرة أن الزمكان مسطح، يصبح عدد تراكيب الجسيمات الممكنة في أكوان متعددة محدودًا بالرقم 10^10^122 احتمال، وذلك على وجه الدقة، وبالتالي، ومع عددٍ لا حصر له من المسارات الكونية، سيتكرر ترتيب الجسيمات في هذه الأكوان، وبشكلٍ لا حصر له أيضًا. يعني هذا وجود أكوان موازية لا حصر لها: حيث توجد مناطق كونية مماثلة لنا وفيها أشخاص مثلنا تمامًا، والأدق نسخ عنا، بالإضافة إلى مسارات ومناطق كونية لا تختلف إلا بموضع أحد الجسيمات، وأخرى تختلف بموضع جسيمين اثنين، وهكذا وصولًا إلى المناطق المختلفة عنا كليًّا.

الأصوات المعارضة للأكوان الموازية

لا يوجد إجماع حول فكرة الأكوان المتوازية، وفي مقال نُشر عام 2015 في موقع ميديوم، أيد الفيزيائي الفلكي إيثان سيغال إمكانية استمرار الزمكان للأبد، لكن مع وجود بعض القيود على الفكرة.

تتمثل المشكلة الأساسية في أن عمر الكون لا يتجاوز الأربعة عشر مليار عام لذا من الواضح أن عمر كوننا نفسه محدود، وهذا ببساطة سيحد من عدد الإمكانيات المتاحة للجسيمات لتعيد ترتيب نفسها، ما يجعل من احتمال توافر نسخة منك تقوم بفعل أمر كنت قد قررته أقل.

كما أن عملية التوسع في بداية الكون كانت تتم بأضعاف مضاعفة بسبب وجود طاقة كامنة في الفضاء نفسه، لكن ومع مرور الزمن، تباطأ هذا التوسع، ولم تستمر الجسيمات التي نشأت مع الانفجار العظيم بالتمدد، ومن بين خلاصاته العديدة: يعني هذا أن الأكوان المتعددة ستتمدد بمعدلات مختلفة وبأزمنة مختلفة (زمن أقصر أو أطول). وهذا ينقص من احتمالية وجود كون يشبه كوننا.

وحتى لو وُضعت قضايا وجود عدد لا حصر له من القيم الممكنة للثوابت الأساسية والجسيمات والتفاعلات، إضافةً إلى قضايا التفسير ات كتلك التي تطرح التساؤل حول ما إذا كان تفسير العوالم المتعددة يصف فعلًا حقيقتنا الفيزيائية، فحقيقة الأمر أن عدد النتائج الممكنة يرتفع بسرعةٍ كبيرة جدًا، أكثر من مجرد كونها سرعةً بأضعاف مضاعفة، وحينها لو أن التوسع لم يكن حاصلًا لمقدار غير محدود من الزمن، فلن تكون هنالك أكوان موازية مماثلة لهذا الذي نعيش فيه.

لكن وعوضًا عن النظر إلى النقص في هذه الأكوان على أنه قيد من القيود، يتبنى سيغال نظرةً فلسفية، ألا وهي الاحتفاء بكونك فريد من نوعك. وهو ينصح باتخاذ القرارات المناسبة لك، والتي لن تندم على اتخاذها فيما بعد، فلا يوجد هنالك واقع آخر، تصبح فيه الخيارات التي اتخذتها في أحلامك أمرًا واقعًا بنفسها، وتبقى أنت من يجعل هذه الخيارات حيز التنفيذ.


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.