ساخر

لا حمّامات في مدارس هذه المدينة

0
لا حمامات في مدارس هذه المدينة

الإنسان كائن عضوي. هذه حقيقة ثابتة لا يمكن التلاعب بها. لذلك، ترتّب على هذه العضوية أن يكون لديها أمعاء تعمل بشدّة وحزم في الأوقات الحرجة، وعند حاجتها الطبيعية داخل المنزل تقرر الإمساك عن نفسها والتقاعد عن العمل. ربما لا تكون مُشكلة كبرى الآن، لكنها لطفل بعمر 6 سنوات قد تشكل عقبةً، أو على الأقل مغامرة صغيرة لا بد مِن خوضها.


جالساً مطمئناً في مدرستك الحكومية الاعتيادية. نفس المقعد، نفس المدرّسة، نفس الأصدقاء، نفس الحصة، نفس المروحة المتهالكة التي تدور ببطء، نفس كل شيء. أي باختصار، إنه مجرد يوم مُمل آخر يضاف إلى حياتك الرتيبة. مع تعديل بسيط في دورة إطراح الفضلات. إذ فجأة وبدون سابق إنذار، تجد أن الحاجة قد أصبحت ملحّة عليك. وأنت كطفل صغير ضعيف المقاومة هزيل البنية لن تستطيع الاحتمال لفترات طويلة كما يفعل الكبار جمال الصحراء ذلك.

الخطوة الأولى هي أخذ الإذن للانصراف إلى حمامات المدرسة. تخرج على استحياء من مقعدك، مُمسكاً بطنك بشدّة لأن الكتمان قد بلغ أوجه، تتجه إلى الآنسة غليظة القلب عريضة المنكبين لتستأذن بالذهاب.

تمنحك الإذن سريعاً، تخرج من الصف في لحظة متجهاً إلى دروة المياه، قسم التواليتات تحديداً. 

لا أعرف صراحةً لمَ تُسمى دورة مياه رغم أني لم أجد فيها مياه يوماً. دائماً كانت مقطوعة ودائماً كانت الصنابير في تسلسل بغيض من الأسى. الصنبور الأول مخلوع بالكامل، الذي يليه موجود لكنه مُلتصق لا يمكن فتحه. الذي بعده يكون مفتوح لآخره لدرجة أنك لا تستطيع أن تمد يدك حتى تغسلها خوفا من أن تقطع، وهكذا. لكن مُشكلتنا الآن ليس صنبور الماء لغسل الأيدي مشكلتنا في المكان المقابل لذلك. على الناحية الأخرى تماماً.

لو كان هناك إمكانية للتعديل في بعض إعدادات الحياة ضمن نطاق الزمكان الذي نعيش فيه لوضعت خاصية إضافة موسيقا تصويرية لبعض المواقف التي نعيشها في حياتنا. مثلاً، وأنت تدخل للكلية أو أنت تخرج منها. أنت تنتظر على طابور الخبز، أنت تنتظر على طابور الغاز. طابور البنزين. الخ. الكثير من المواقف التي نعيشها يلزمها عندما تحدث آنياً أن تنبثق موسيقا تصويرية في خلفية المشهد الذي أنت بطله. حاول تخيّل ذلك، أعتقد أن بإمكانه أن يضفي تحسيناً واضحاً على حياتنا.

إلا أن أهم موسيقا تصويرية تلك التي تشتغل عندما تحاول أن تجد تواليتاً نظيفاً يحوي أبسط الإمكانيات والمتطلبات التي يحلم بامتلاكها أي تواليت يحترم نفسه، ويصلح للإنسان العاقل بكل غروره وإرثه التطوّري أن يجلس فيه. لكن مع الأسف لن يحصل. مثل صنابير المياه تماماً.

الأول سيكون حائماً بالمياه بالقذرة، وعليك أن تعوم بداخله ببدلة سباحة. الثاني أموره تمام لكنه بدون باب، وإن أردت المخاطرة وكنت قوي القلب فعليك به. الثالث مليء بالفضلات بشكل مثير للريبة. فضلات على الصنبور، على الحائط، على مقبض الباب، على السقف، فضلات في كل مكان. لطالما كنت أتساءل كيف كان التلميذ الوغد الصغير يفعل ذلك. صدقاً لو أراد عن قصد نثر بقاياه في كل الأرجاء بهذا الشكل لما استطاع، كيف بإمكانه تلويث كل المكان لهذه الدرجة القبيحة من السوء!

الرابع لا يمكن أيضاً، لأنه غير موجود أساساً. فعددهم كان ثلاثة فقط.

لا يكن منك حينها سوى أن تبتلع ريقك وتخرج من دورة مياه لا مياه فيها تجر أذيال الخيبة وأنت تفكر بالخيارات البديلة. لا يزال اليوم الدراسي في أوله، ومحاولة الكتمان كل هذه المدة ستكون بمثابة سباق تحمل غالباً ستفشل به. وإن كنت واقعياً، فالحالة كما رأيتموها، كل شيء مكسور ومعطل وملوث من قبل الأوغاد الصغار.

ماذا إذن. هل الاستسلام يحدث الآن؟ هل تنسحب في عمر الـ 6 سنوات من أول معركة أمعاء قد تخوضها؟ لا لا؟ قطعاً لا.

تنبعث الموسيقا التصويرية التي تمنيتها قبل قليل لتسلّط الضوء على مشهد جديد. لحظة اكتشاف شيء لطالما كان موجوداً. المكان المعروف بـ «حمام المدرّسات». وهو حمام خاص غير مسموح للطلاب العاديين أن يدخلوا إليه، فكما هو معروف هناك في المدرسة دورتين مياه. الأولى تكون شيوعية للتلاميذ، يتبرزون فيها على سقف الحمام. والثانية هي رأسمالية برجوازية للمدرّسات.

وبما أن الخروج كان أثناء الحصة الدراسية، فغالبية المدرّسات كانوا في دوامهم، والمديرة تمارس نشاطاً عديم الفائدة كعادتها. فالانسلال إلى الحمام الخاص كان قد حصل، وتم تسليم الحمولة. وما كان قبل دقائق معدودة عبئاً على تلميذ لم يتجاوز الـ 6 سنوات تقريباً أصبح الآن في طي النسيان. شاقاً بعدها طريقه نحو الصف من جديد. بعد مغامرة مليئة بالمخاوف كان قد أجبر عليها.


لأكون صادقاً معكم، أحياناً كان حمام المدرسات يُقفل لأسباب مجهولة، فهن نادراً ما يستخدموه حتى، لكن وجوده واجب. فكان حتى هذا الخيار في بعض الأوقات ملغياً، لذلك كان لا بد مِن خطة بديلة دائماً، خطة تقتضي تحمل المسؤولية الشخصية في عبء حمل الفضلات داخل وخارج جسمك. خطة لم تخترها مُباشراً لكن لم يتبق لكَ إلا هي.

خطة تقتضي أن تعود إلى المنزل وأنت تمشي كالبطريق. خطة كانت في وقتها مدعاة للألم والسخرية والبكاء، لكنها بعد سنوات طويلة تتذكرها فتضحك وتضحك وتضحك. خطة كان بالإمكان الاستغناء عنها لو كان هناك مياه في دورات المياه. لكن للأسف لم يحصل. وبعد مرور الأيام تفرح لأنه لم يحصل، لأن ذلك هو تماماً ما يدفعك لتذكر تلك الأيام البائدة. في حين أن كل شيء آخر قد نُسي واضمحل. كل شيء آخر كان قد مضى وتبخر..

عبد الرحمن عرفة
مُبرمج مُتقاعد عن العمل، وكاتب يفرّغ ما يقرأه. أمارس طب الأسنان في أوقات الفراغ.

    الجذور لا تموت

    Previous article

    يكفي أنني… وليحترق العالم

    Next article

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *