علوم

هل سيشكل الموت يومًا بدايةً للحياة

0
الموت في الفضاء

كأحياء، من المسلمات التي لا تقبل الجدل أننا وُلدنا على هذه الأرض من أمهات حملن بنا. ولن أجعل من نفسي مثار للسخرية بتناول ذلك. والمقابل للولادة هو الموت.. وأيضًا لن أتناوله بالبحث والجدل، ولن أتعب نفسي بتقصي ما سيحصل بعد موتي، فليكن ما يكون. وهذا لا بداعي الاستهتار أبدًا، بل لأني أحب الحياة كثيرًا وحتى اللحظة أنا لا أعرف عنها شيئًا يُذكر وفي هذا أنا كونفوشيوسية حتى النخاع، إذ كيف لي أن أولي الموت أية اهتمام وأنا لم أعرف الحياة بعد!!!!

أما حديثي عن الموت هنا فهو من زاوية مختلفة عمّا تتوقعون، إنه الموت في الفضاء. ففي الأيام الأخيرة طالعتنا الأخبار جميعها بنبأ تحطم المركبة الفضائية الإسرائيلية بيريشيت على سطح القمر، هذه الحادثة عادية في عالم المركبات الفضائية وتحصل مرارًا، لكن غير العادي فيها هو وجود ناجٍ من هذ التحطم وهو التارديغرادا.

حسنًا، سأدخل في لب الموضوع، السؤال الذي يتوارد كثيرًا إلى ذهني هو ماذا لو مات أحد رواد الفضاء وهو على متن مركبةٍ فضائية، ما السيناريو الذي وضعته ناسا أو أية وكالة فضاء أخرى كحل في هذه الحالة: هل سيعودون بجثمانه إلى الأرض، أم سيدبرون أمر جعل الفضاء مقبرة فسيحة له؟ لماذا لا يقومون بما يقوم به البحارة في عرض البحر؟ ما مصير هذا الجثمان إن حدث واستقر على أحد الكواكب مثلًا؟

ما هي الحلول الممكنة

لقد حدث هذا فعلًا، فمنذ بداية عصر الفضاء قضى 18 رائد فضاء نحبهم في الفضاء، وحصة ناسا كانت الأكبر في هذا العدد (14 رائد فضاء من ناسا). وإن رغبنا بالعودة إلى القمر، ومع تطلعاتنا المستقبلية لإنشاء مستوطنة على المريخ، هذا العدد سيتضاعف حتمًا. والمفاجئ هنا أن ناسا وغيرها من وكالات الفضاء لم تعتمد بروتوكول موحد ورسمي بعد لهذه الحالات، لكنّ هناك العديد من السيناريوهات التي هي قيد الاختبار ويتم تدريب رواد الفضاء عليها، ومنها:

  • إرسال الجثمان إلى الأرض: على ما يبدو الحل الأفضل المطروح هو شحن هذا الجثمان ثانيةً إلى الأرض مع أول مركبة تموين تأتي لتزود محطة الفضاء الدولية بالمؤن. وبالطبع نعلم أن هذا الحل متاحٌ فقط لرواد الفضاء الموجودين على متن محطة الفضاء الدولية، ورغم ذلك هو ليس سهلًا، فأساسًا تكون هذه المركبات مكتظة بالرواد القادمين إلى المحطة والذين يغادرونها، وهي ليست مصممة لنقل الجثث. هنا يرتفع احتمال التلوث بين الطاقم الموجود على مثل هذه المركبات. ونظرًا لمدة الثلاث سنوات اللازمة لقطع المسافة بين الأرض والمريخ، تبدو إعادة الجثمان إلى الأرض في هذه الحالة أمرًا مستحيلًا.

عادة يصل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية بكامل صحتهم، وأحداث الوفيات تحصل فقط في حالات السير في الفضاء.

  • حفظ الجثة في البذة الفضائية: إن حدث وضربت جسيمات نيزكية دقيقة رائد الفضاء أثناء سيره في الفضاء وسببت ثقبًأ في هذه البدلة، ما هي إلا 15 ثانية ويفقد رائد الفضاء وعيه. والتعرض للخلاء لمدة 10 ثوانٍ يكفي لتبخر الدماء والماء من جسد رائد الفضاء. وهذا سيؤدي إلى انتفاخ جسمه كبالون وسيسبب انهيار رئتيه بالكامل. في هذا السيناريو المحتمل، ممن الممكن أن يبقى رائد الفضاء في بدلته الفضائية محتجزًا في حجرة محكمة الإغلاق ودون هواء، وذلك تجنبًّا للأسوأ الذي قد يحدث، ألا وهو الرائحة الكريهة إضافة إلى تلوث المحيط الفضائي أو الطاقم. وإن لم يكن بالإمكان احتجازه في غرفة محكمة الإغلاق، فعلى الأقل ينبغي وضعه في أبرد أجزاء محطة الفضاء الدولية ريثما يتسنى إرساله إلى الأرض.
  • التجميد أو الحرق: الحرق المباشر في الفضاء هو أحد الحلول الممكنة، ففي عام 2005 تبنت ناسا دراسة تناولت الجنازات من منظور بيئي أجرتها وكالة الفضاء السويدية. هذه التقنية تتضمن تجميد الجثة ومن ثم إحراقها لتتحول إلى قطع صغير من الرماد الجليدي، أما المتبقي من الرماد فيتم إرجاعه ثانيةً إلى الأرض. ويُستخدم النتروجين السائل لتجميد الأجسام على الأرض، أما في الفضاء فيوضع الجسم في حقيقبة ويتم تعريضه إلى الخلاء لمدة ساعة باستخدام ذراع آلية تُمسك به، وبهزّ الحقيبة تتحول الجثة إلى قطع صغيرة متجمدة. فمثلًا الرماد المتجمد المتبقي من رائد فضاء يزن 90 كغ هو 22 كغ.
  • الدفن في الخلاء: يُعد هذا الخيار هو المكافئ الفضائي للرمي في البحر، وربما كانت أكثر النهايات رومانسية بالنسبة إلى رائد فضاء هي أن يُترك جثمانه بين النجوم. ولا تنص الاتفاقيات الدولية على أي قرار بشأن دفن جثامين رواد الفضاء في الفضاء. وما لم تُوضع الجثة في صاروخ ليتم إطلاقها بعيدًأ، ستسلك الجثة مسار محطة الفضاء الدولية عائدةً نحو الغلاف الجوي وستتحلل. وفي حالة السفر بين الكوكبي، كالطريق إلى المريخ، فسيكون الفراغ هناك مقبرةً موحشة.
  • الدفن على المريخ: قالها إيلون ماسك: “المرشح ليصبح مستعمِرًا مريّخيًّا، عليه أن يتوقع أنه قد يموت هناك أيضًا”. فالدفن على المريخ سيكون حلّا عمليًّا أكثر من الانتظار لسنوات حتى العودة إلى الأرض، لكنّ ذلك يرفع من احتمال التلوث البكتيري على المريخ، وهنا على الكائنات الأرضية المرافقة لهذه المركبة أن تعمل على ألّا يصبح هذا الجثمان مصدر تلوثٍ لبيئة المريخ أو أشكال الحياة المحتملة عليه. فقط تخيّل ما الذي سيحصل على المريخ مع جسدٍ متحلل… الدفن على المريخ ممكن فقط لبقايا رماد جسدٍ ميت.
مستعمرو المريخ
  • وجبة للطاقم: أكثر السيناريوهات المكروهة والمتطرفة، لكنه السيناريو الأكثر تكرارًا على المريخ، وقد شاهدنا ذلك كثيرًا في الأفلام التي تناولت تحطم سفن أو طائرات في أماكن قصية من العالم، نشاهد تحول جثث الكثيرين إلى طعامٍ للناجين، وهذا الأمر ليس ببعيد الحدوث في الفضاء. لكن لحسن حظ من سيخوضون تجربة الرحلات الفضائية، أن المحاولات جارية على قدمٍ وساق لمعرفة كيفية تأمين مصدر غذائي في الفضاء.

ما الذي يقوله علم الميكروبات حول ذلك

يبدأ تحلل الجثث على الأرض بفعل البكتيريا الهوائية وتلك الموجودة في جسم الإنسان عبر سلسلة من عمليات التفسخ. وفي الفضاء لا وجود لعمليات الأكسدة، لذا لن تتحلل الجثث في الفضاء، يُمكن أن تتجمد إن كانت بعيدة عن مصدر حراري أو أن تُحَنّط. وفي التحنيط تُنتزع كامل الرطوبة من الجسم. كما أن كافة العمليات الحيوية ستتوقف بسرعة حين يُحَنّط الجسم ولن يكون هناك المزيد من التحلل للجسم. وفي كلتا الحالتين، قد يمخر هذا الجثمان عباب الفضاء لملايين السنين حتى يلاقي قدره أخيرا ويصطدم بجسم يجبره على التوقف.

عادةً لا يُرسل رُواد الفضاء إلى الفضاء إلا بكامل صحتهم البدنية، لكن مع تطلعات البشر نحو رحلات إلى الكواكب، سترتفع احتمالات هذه الأحداث. ويبقى أهم شيء في هذا الحدث هو سلامة الطاقم، ومن المعروف أن جثة متفسخة ما هي إلا مصدر لروائح كريهة وميكروبات تلحق أشد الضرر بأعضاء الطاقم.

هل تؤثر الميكروبات على أشكال الحياة المحتملة

بل وقد تبيدها أيضًا، فما لا يعرفه كثيرون هو أن المركبات الفضائية تُرسل معقمةً إلى الفضاء منعًا لانتقال أي شكل من أشكال الحياة الأرضية إلى مكانٍ آخر قد تسبب دمار أشكال الحياة فيه أو تلوثها على أقل تقدير.

غير بعيد في الفضاء، في عام 1545 اجتاح وباءٌ المكسيك وتحديدًا انتشر بين الآزتيك، فكان الناس تصيبهم الحمى الشديدة والنزيف الشديد من الأنف والعينين وآلام غير محتملة في الرأس، والموت بعد ثلاثة أو أربعة أيام من ظهور هذه الأعراض. وفي غضون خمس سنوات، كانت قد زالت من على سطح البسيطة نسبة تقدر بـ80% من هذا الشعب. ويُطلق السكان المحليون على هذه الكارثة اسم cocoliztli وهي تعني الأوبئة بلغة الآزتيك الناهوتل. وقد بقيت مسببات هذا الوباء موضع تساؤل لـ 500 عام.

وبفحص الـ DNA الخاص بجثث الضحايا، وجد علماء من جامعة Tuebingen في ألمانيا أن هذه الكارثة التي سببت موت الكثيرين بدأت مع وصول الأوربيين إلى أمريكا، فقد جلب المستعمرون الجدد معهم إلى أمريكا أنواعًا من الجراثيم لم يعرفها سكان الأمريكيتين الأصليين كما لم تكن لدى أجسامهم مناعةً منها.

حصل هذا على الأرض حيث الماء والهواء والتراب وغيرها، فما بالك في الخلاء…..

قد يشكل جسم ميتٍ لكائن بشري (وهنا السيناريو متفائل للغاية) نواةً لحياة أخرى ما كانت لتوجد لولا هذا الجسد الميت، فنحن ما زلنا لا نعلم شيئًا عن الطفرات الوراثية التي قد تحدث هناك، لا نعلم ما هو تأثير مثل تلك البيئات على أشكال الخلايا المتعددة أو الجراثيم حتى.

لكن لطالما كان الموت لدى كثيرين هو بدايةٌ لحياةٍ أخرى. طبعًا خارج هذا العالم

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    «يلي خدتوا محبوبي محبوبي»

    Previous article

    قفلة كاتب وتسعة وتسعون مسودة

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in علوم