حياة

يكفي أنني… وليحترق العالم

0
اللامبالاة

لو قُدّر لي في يوم من الأيام أن أقوم بعمل تحليل الجينات الوراثية الذي يكشف إلى أين يعود أصلي وأين تنتهي جيناتي وفي أي بقعة من هذا العالم لي جذور لا أعرفها، فربما لن أكون متحمسة كثيراً له، أو على الأقل سأجريه من باب الفضول لا أكثر ولا أعتقد أنه سيغير الكثير من قناعاتي عن نفسي أو ربما سيفسر لي بعضاً من صفاتي وأحوالي، إذ أن الإنسان حسب نظرية كارل يونج يخزن في لاوعيه أو الوعي الجمعي كما يسميه يونج كل خبرات وتجارب سلالته التي جاء منها، ويصبح لتلك الخبرات والأفعال تأثيراً غير مباشر على شخصيته وتصرفاته.

لكن في الحقيقة، ما يهم أي واحد منا هو ما هو عليه الآن وليس ما كان أو من أصله ومن أين جاء، فبعد سنوات قد لا تبدو طويلة في عمر التاريخ  قد يتغير هذا الحال، ويصبح الأوروبي بطريقة ما أمريكياً والعربي أوروبياً والآسيوي افريقياً، وستجد أن جيلاً قادماً يجهد نفسه ليتذكر أن أصله كان في يوم ما من ذاك البلد، وأن أحد أجداده كان من بلد ما يصول ويجول وهو يفخر بانتماءه له الآن وينفي أي انتماء آخر له دينياً كان أم عرقياً، رغم أننا لا نعرف أصولنا الجينية حقيقةً وقد تكون نسبة انتسابنا لما نفخر به الآن أقل من الثلث، فماذا سيكون موقفهم لو أجروا تحليلاً لأصولهم الجينية؟..

والسؤال الذي يطرح نفسه في سياق نقاش كهذا النقاش…هل كان لأحد يَدٌ في انتماءه العرقي الذي يتحدث عنه؟..أو هل تم تخييره قبل ولادته عن المكان الذي يرغب بالولادة فيه فكان جوابه هنا؟…فبأي حق يتحدث عن كونه سورياً أو مصرياً أو أياً كان أصله وكأنه قد ملك العالم!.. وكل واحد منهم قد كبر وهو يعتقد أن حضارة بلاده هي أقدم حضارة في التاريخ وأنها منشأ الحضارات كلها وأنه قبل آلاف من السنوات قامت على هذه البقعة من الأرض دولة عظيمة قدمت للبشرية كنوزاً عظيمة وإنجازات خطيرة غيرت وجه التاريخ ولم يقدمها غيرهم من الحضارات..

ولا أعجب إلا من هؤلاء الذين ينظرون نظرة دونية لمن هم ينتمون لدول غير دولتهم، ويشعرون بتلك الفوقية والسبب مضحك للغاية، وهو إنجازات أجداد أجدادهم قبل آلاف السنوات وهم لا يجيدون سوى الزهو بأنفسهم ويكفي أنني ………. وليحترق العالم كله فيما بعد!..

والعجيب أكثر من هذا أن بلادهم هذه الآن في آخر قطار التقدم والحضارة وتحتاج أن تسير سنوات ضوئية لتواكب ركب الحضارات الحالية، وقد لا تلحق بها، فكراً وعلماً وتقنيةً..فماذا قدم لهم تطور أصولهم؟..وماذا قدموا لهذه الأرض التي أنجبت أولئك الذين يفخرون بهم ويذكرونهم في المحافل العالمية بسبب أوبدون سبب؟..وأعتقد أن الأرض نفسها ربما تنفر منهم ومن طريقة تفكيرهم، وتتمنى لو عاش عليها من هم أحق بها منهم.

فهل يكفي الانتماء الشعوري للوطن أو الأرض ولتاريخه ليكون المرء قد استوفى ما عليه من واجب تجاهه؟..هذا الواجب الذي فرضه عليه ولادته على هذه البقعة الجغرافية من العالم، ولو كان ولد في بقعة لا تاريخ عريق لها، لربما كان للأمر منظور مختلف تماماً، فمن ليس له ماضٍ يفخر به، سيصنع لنفسه حاضراً يليق به وبوجوده..

يتحدثون عن التاريخ الأسود أو المظلم لبعض الدول الأوروبية أو الأمريكية، أو أن دولة عظيمة الحاضر لا ماضي لها، وأنها مجرد حضارة حديثة لا يتجاوز عمرها عدة قرون فلا يمكن مقارنتها بدولة ذات تاريخ يتجاوز آلاف السنين، وإذا تفكرنا فيما سيكتبه التاريخ بعد مئة عام أو أكثر، ستقرأ فيه ذات يوم عن أمة بنت حضارة خلال سنوات قليلة، وأخرى دمرت حضاراتها وأبادت ما بقي من ذكرها ببعض الكلام والخطب المفوهة على المنابر..

فليست اللغة أو الحديث المستمر والدروس في الكتب المدرسية وحديث الإعلام هو ما يجعل أمة ما يبقى ذكرها، بل هو الفعل، والإنجازات التي تُقدم للبشرية والتي تجعل من أمة ما حديث الأمم ومصدر فخرهم وإلهامهم لأجيال طويلة.

لينا العطار
كاتبة، أو مدوّنة..أيهما أصدق.. اهتماماتي خليط من التعليم والأدب والحياة

    لا حمّامات في مدارس هذه المدينة

    Previous article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in حياة