مدونات

قفلة كاتب وتسعة وتسعون مسودة

2

لا أذكر الكثير من أيام مدرستي، تلك المدرسة ذات الجدران المهدمة والمقاعد المهترئة التي تلفحها رياح وثلوج كانون بدون رحمة رغم وجود المدفأة الصغيرة في زاوية الصف التي كانت بمثابة امتياز لأبن المعلم أو المدير أو من حالفه الحظ وجلس في المقعد الأول بجانبها.

كل ذلك لا يهم، وكل ما مررت به في المدرسة أنا ورفاقي لا يهم، فلن أذكر تنمر المدير و”الموجهين والموجهات” الذين كانت لا تزال عالقة في أذهانهم تعاليم مادة “الفتوة” التي كانت قد ألغيت بعد دخولي المدرسة بسنة، والعصا التي ترفع دومًا فوق رؤوسنا بسبب وبلا سبب رغم منع للضرب في المدارس!

ما يهمني من هذه الاثني عشر سنة هو حديث لمدة دقيقتين في صف اللغة الانكليزية في الصف العاشر، عندما سألتنا المدرسة:

What do you want to be when you grow up؟ أو ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟ 

بالطبع وكما تعودت منذ الصف الخامس، لم يجرؤ أحد على رفع يده! فقد كنت أحتكر درس اللغة الانكليزية بشكل كامل وأستمتع بتلك اللحظات التي أقف بها وأتحدث أمام الصف بأكمله ولا أحد يفهم حرفًا مما أقول سوى المدرسة. 

في ذلك اليوم أجبتها: I want to be a writer أريد أن أصبح كاتبة، ولا أدري صراحة من أين جاء هذا كوني لم أكن أحب سوى الرسم في ذلك الوقت.

إجابتها العالقة في ذهني كانت:

” A writer should also be a reader darling, you have to read alot in order to become a writer and I belive you can”  على الكاتب أن يكون قارئًا أيضًا يا عزيزتي وحتى تصبحي كاتبة عليك أن تقرأي الكثير، وأعتقد أن بإمكانك تحقيق هذا!

علقت هذه العبارة في ذهني طول ذلك الوقت بصوتها وبلكنتها شبة البريطانية التي كانت محط سخرية كل الصف ومحط اعجابي أنا، وفي عطلة الصيف، عندما كان أخي يدرس الأدب الانكليزي في الجامعة، جمعت ما أمكنني من المسرحيات والروايات  التي كان عليه هو دراستها وجلست لأقرأها. 

أذكر مدى صعوبة ذلك، وكيف أصبت بالدوار في محاولة التفريق بين كاثرين وكاثرين في “مرتفعات وذرنغ”، وفي محاولتي لفهم المغزى من مسرحية “على هواك” لشيكسبير وكيف أن قلب الظلام لجوزيف كونراد من أجمل القصص التي قرأتها وأكثرها سوداوية بالنسبة لي في ذلك الوقت.

تجربة الكتابة الأولى والدفاتر الممزقة على سطح بيتنا

في فترة الكآبة التي تصيب جميع المراهقين، اشتريت دفترًا صغيرًا أسود اللون مناسبًا لمزاجي العكر طول الوقت، وهنا بدأت أخط أفكاري العشوائية، كنت أروي لنفسي قصصًا خيالية وأكتب شعرًا باللغة الانكليزية، شعرًا لم يرى النور ولم تسمعه أذن، شعرًا احترق على سطح بيتنا في لحظات غضب اثر شجاري مع أحد الأصدقاء أو ربما كانت نوبة غضب تليق بالمراهقين، لا أذكر بالضبط.

تلا ذلك الدفتر عشرات الدفاتر الأخرى التي كانت أشبه بمخطوطات تاريخية تملؤها الرسوم وقصص حول هذه الرسوم التي كانت من نسج الخيال أو مستوحاة من مزاج المراهقين العكر الذي كنت أعيشه في تلك الفترة. أحرقت آخر الدفاتر قبيل توجهي إلى الجامعة ولا زلت أندم حتى اللحظة عليها.

قفلة كاتب وتسع وتسعون مسودة والعدد يزيد

دخلت عالم التدوين قبل بضعة سنوات، ولم أكن يومًا المدون ذو العبارات المنمقة التي تبدو أقرب للشعر منها للتدوين. 

بداياتي كانت مع عالم ترجمة المقالات العلمية والمحاضرات للغة العربية التي أثرت كثيرًا فيما هو عليه أسلوبي الآن، فلم يكن من المسموح المرح في الكتابة والترجمة وقتها، كان علينا التزام الدقة في ايصال المعلومة للقارئ العربي.

بعد دخول عالم الكتابة والتدوين و”المحتوى الأصلي” أصبح علي التفكير بمرح والسعي دومًا لشد القارئ وكيفية ايصال معلومة معقدة بطريقة مبسطة ومسلية لئلا يغلق عزيزنا القارئ الموقع بعد 3 ثواني من الضغط على المقال.

ما لم تخبرني به معلمتي في ذلك الوقت أن الأمر أصعب مما يبدو. فهيمنغواي لك يكن يعاقر الكحول لأن طعمه لذيذ فقط!

 وهنا لا أقارن نفسي بهيمنغواي أنا فقط أقول أني أتفهمه الآن. 

في فيلم Shortcut to Happiness لأليك بالدوين وجينيفر لوف هيويت، يجسد أليك دور شخصية الكاتب الذي يعاني اثر الرفض المتكرر لمؤلفاته وصعوبات حياته اليومية فوقها مما يضطره الأمر لعقد صفقة مع الشيطان الذي تجسد دوره جينيفر مقابل عشر سنوات من النجاح في مسيرته المهنية ككاتب.

وهنا أيضًا يمكنني القول أني أتفهمه!

أجل أنها العدو الأكبر لكل الكتاب حول العالم، فمهما كان المجال الذي تكتب به فأنت ستواجه هذا العدو بشكل أو بآخر، إنه “قفلة الكاتب”.

قبل أن أبدأ هذه القصة بدأت بحوالي سبعة مواضيع مختلفة وقمت بمسحها جميعًا، غيرت خمس قوائم أغاني ومزقت ثلاث صفحات من دفتري في محاولة مني لكتابة جملة مفيدة أو مقدمة مترابطة لمقالة ما. 

في العادة عندما أواجه هذه الحالة أو هذه القفلة أعود للكلاسيكيات، الورقة والقلم، قد أبدأ برسم ما أو بسرد بضعة عبارات أو أفكار عشوائية إلى أن أصل إلى نقطة ما عندها I go with the flow وتبدأ الأفكار بالتدفق لتحط في مكانها في جمل منطقية مترابطة تعطي نصًا قابلًا للقراءة والفهم وربما فكرة ما مؤثرة قد تغير حياة أحدهم.

لكن ما المدة الزمنية التي تأخذها هذه العملية؟ ربما دقيقة أو دقيقتان وربما يوم أو أسبوع أو حتى شهر. 

الكتابة ليست مهنتي، وأنا بالتأكيد لست بشاعرة ولا أسعى أبدًا لأكتب مثل هيمنغواي وشيكسبير، لكن بالتأكيد أحس أحيانًا بيأس هيمنغواي وغيره عندما أريد أن أبوح بشيء ما والعبارات تقف على أطراف أصابعي وتأبى القفز إلى لوحة المفاتيح أو إلى صفحات الدفتر.

ما لم تخبرني به معلمتي أن أفكاري تبدو أفضل وهي في رأسي، وقد لا تبدو بنفس الجمال على الورق! 

وبالطبع لم تخبرني أن هنالك نقاد سيحرقون فكرتي وسيمثلون  بجثتها بحق ويغير حق، ولم تخبرني أن الفضل قد لا يعود لي دومًا في كل فكرة أحاول تقديمها.

الآن، إلى أين يتجه هذا المقال؟ لا أدري، ربما أتوقف هنا وربما أستمر في ملء صفحات مسودتي لكن بالتأكيد هذا كل ما أود أن أخبركم أنتم به الآن، إلى حين لقائنا في المسودة رقم مئة أو ربما في المسودة تسع وتسعون بعد المئة .. من يدري!

ريم أبو عجيب
Blogger and Developer, but mostly someone seeking a mind-blowing idea

    هل سيشكل الموت يومًا بدايةً للحياة

    Previous article

    خمسون ظلًا من وباء الوحـدة

    Next article

    You may also like

    2 Comments

    1. اكتر من رائع ♥️♥️
      شابوو 🎩 🎩

    2. أحرقت الخمس سنوات الأخيرة و احتفظت بصديقي المخلص، دفتري الأسود ♥

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *