ثقافة

الأغنية الفرنسية… رومانسية القرن العشرين

0
اغاني فرنسية

كانت فرنسا في القرن الماضي، وربما الآن، قبلة الباحثين عن الجمال والرقة والثقافة والحرية، ولم تخرج الأغنية الفرنسية عن السياق الذي عرفت به فرنسا أبدًا، لعلها أتت أكثر رقة بكثير، وبعض هذه الأغاني اقترب من همس لا بد أن يمس أقصى شغاف القلب بعدًا لتستقر هذه الأغاني في الذاكرة حتى الآن، بل بعضها أصبح جزءًا لا يتجرأ من الثقافة الفرنسية الشعبية.

كنت من الأشخاص الذين كانت الأغنية الفرنسية هي المحرك الأساسي الذي دفعهم لتعلم اللغة الفرنسية، وإن لم أبلغ تلك الدرجة من الإتقان، لكنها أصبحت لغة مألوفة، بل ومحببة جدًا أيضًا، وأصبحت أغاني كثيرة قادمة من تلك البلاد أفضل جليس في ساعات الصفاء.

كمتابع، لا بد أن أنحاز إلى أغنيةٍ أكثر من أخرى، لكن سأحاول أن أتحرى المنطق والإنصاف، وأن أركن إلى التجرد قليلًا من ميولي الخاصة. سأحاول أن أذكر أجمل الأغاني الفرنسية حتى الآن.

إيديث بياف La Vie En Rose

تبقى إيديث بياف أيقونة الأغنية الفرنسية بصوتٍ لم تخرجه حنجرة سوى حنجرتها، إيديث المولودة لمهرجٍ جوال ولساقية حانة كانت حياتها الشخصية شهيرة كأغانيها، وقد بدأت حياتها الفنية من الملاهي الليلية في باريس.

عكست أغانيها طبيعة الحياة التي عاشتها إيديث، والمشاعر التي سكنت نفسها من هذه الحياة. وأبرز أغانيها هي La Vie En Rose والتي تعني حرفيًّا “الحياة بلونٍ وردي”. كاتب هذه الأغنية هو لويس غوغليلمي Louis Guglielmi، وتروي الأغنية حكاية الصعوبات التي نختبرها أثناء أوقات الحرب وخاصةً فقدان الحب والأحبة. وكيف تصبح الحياة وردية بين أحضان من نحب. إننا باختصار نحيا لمن وبمن نحب. ستشعر بالمعنى تمامًا مع هذه الأغنية.

للعلم هذه الأغنية من أكثر الأغاني التي ذكرتها السينما، سواء كأغنية ترافق مشهدًا ما أو كموسيقى.. وفي السينما العربية، كان فيلم عمارة يعقوبيان هو اشهر الأفلام التي مرت هذه الأغنية فيها كثيرًا، منذ البداية حتى المشهد الأخير.

عاشت إيديث بياف حياةً حافلة بكل شيء، عرفت الجوع والمرض والإهمال والهجر واللهو والعبث، طبعًأ دفعت ثمن ذلك وكل حب كان يلوح في الأفق لها ببدايةٍ جديدة. لكنها قالت أنها لا تندم أبدًا في رائعتها التي حملت العنوان ذاته.

رينا كيتي J’attendrai

ما زلنا في أجواء الحرب الحزينة، وما أكثر الانتظار أيام الحرب. إننا ننتظر كل شيء: عودة الأحبة عودة الحياة إلى سابق عهدها ..ننتظر الفرج، حتى العصافير تصبح منتظرة أيام الحرب.

بدأت رينا مشوارها في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت هذه الأغنية من أشهر أغاني تلك الأيام. ثم ما لبثت رينا أن هربت من الأضواء والحرب عام 1945 وانتقلت إلى كندا عام 1954.

حاولت رينا أن تعيد البريق إلى أضوائها الخافتة عام 1965، لكنها لم تكن بالعودة الموفقة إلى سابق عهدها. لكن وزير الثقافة الفرنسي جاك لانغ قلدها عام 1991 وسام الفنون والآداب، أرفع الأوسمة الثقافية الفرنسية.

أغنيتها J’attendrai تعني “سأنتظر” وقد كُتبت أصلًا باللغة الإيطالية وكاتباها هما الإيطاليان دينو أوليفييري ونينو راستلي وحملت عنوان Tornerai وهو يعني حرفيًّا “سأعود” فكانت الأغنية الفرنسية جوابًا لهذا الوعد بالانتظار الدائم.


تشارلز ترينيت La Mer

خرجت هذه الأغنية عمّا هو مألوف من أغاني الحرب والانتظار في تلك الفترة، وهي لتشارلز ترينيت ألحانًا وكلمات.

اشتُهر ترينيت بين أواسط ثلاثينيات وخمسينيات القرن الماضي. وقد كتب هذه الاغنية التي تعني “البحر” خلال عشر دقائق فقط على مناديل حمامات، أثناء رحلةٍ طويلة كان يقوم بها بالقطار. وبغض النظر عن الحادثة وصحتها، لكنّها تبث شعورًا رائعًا بالسعادة والتناغم، والانفصال عن الزمن. تُرجمت الأغنية وقُدمت بـ40 لغة، كما أنها أثرت على أداء الكثير من الأفلام مثل Beyond the Sea لبوبي دارين.


فرانسواز هاردي Tous Les Garçons et Les Filles

وُلدت المغنية الفرنسية فرانسواز هاردي في 1944 في فرنسا، وهي مغنية وممثلة ومنجمة كما أصبحت أيقونةً في عالم الأزياء فيما بعد، وتعد أغنيتها Tous Les Garçons et Les Filles أغنيتها الأولى، واحتلت المراتب الأولى في فرنسا عدة مرات. هذه الأغنية من كتابة هاردي نفسها، وهي تتحدث عن رغبتنا في مشاهدة جميع من حولنا يخوضون تجارب حب. وقد سجلت هاردي الأغنية بلغاتٍ عدة منها الإيطالية والإنجليزية والألمانية، كما حضرت في أفلامٍ عدة.

فرييل La Java Bleue

وُلدت فرييل عام 1891، وعرفت بؤسًا لا نظير له في طفولتها، فقد تُركت فريسةً لحياة الشوارع. بدأت حياتها الفنية على مسارح وملاهي باريس باسم بيرفينش، وقد حاولت الانتحار بعمر التاسعة عشر بعد أن أصبحت مدمنةً على الكحول والمخدرات، لتغادر باريس متجهةً بعد ذلك إلى تركيا وروسيا حيث عثرت على السكينة. عادت باسمها الجديد فرييل إلى باريس عام 1923 واستقبلها الجمهور بدهشة وحفاوة. وكانت أغنيتها La Java Bleue قد اشتُهرت كثيرًا لاستخدامها رقصة الجافا المغرية، وكانت مثيرةً للجدل للسبب ذاته أيضًا.

لوسيان بوير Parlez-Moi d’Amour

لوسيان بوير المولودة عام 1903 هي مغنية فرنسية مكنها صوتها الناعم والموسيقي من الغناء منذ عمر مبكر في مونمارناس. وبعد حصولها على عمل ثابت في مسارح باريس، بدأت جولات موسيقية في كافة أنحاء فرنسا. وقد كانت لها العديد من الأغاني التي سجلتها مع شركة كولومبيا للتسجيلات بعد أن انتقلت إلى نيويورك وأشهرها هذه الأغنية.

هذه الأغنية بألحانها الشجية وصوت لوسيان الملائكي هي الهمس الذي يطالب به كل الأحبة بعضهم بعضًا. وحصلت هذه الأغنية على أولى جوائز أكاديمية شارل كروس، كما ظهرت في فيلم وودي آلن Midnight in Paris وغيره من الأفلام.

جو داسان Les Champs-Élysées

وكأن هذه الجادة بحاجة المزيد من الترويج، وقد أتاها عبر رائعة جو داسان التي حملت اسمها “الشانزيليزيه”.

جو داسان مغني أمريكي المولد، وقد بدأ مشواره مع الأغاني الفرنسية واستمر به. وهو أول مغني يتعاقد مع شركة تسجيلات أمريكية ليغني بلغةٍ غير الإنكليزية.

ولداسان رائعة أخرى خلل واضح أن نتجاوزها، إنها  Et si tu n’existais pas “لو لم تكوني موجودة”..بالتأكيد سمعها الكثيرون ويتذكرونها جيدًا.

كلود فرانسوا Comme d’habitude

كتب الأغنية كل من جاك ريفو وكلود فرانسوا عام 1967، وقد سجلها للمرة الأولى هيرفي فيلارد، لكنّ ريفو لم يكن راضيًا عن النتيجة، وطلب من فرانسوا أن يسجلها بصوته. قبل فرانسوا لكنه أصر على أن يضمنها قصة انفصالٍ مؤلمة تعكس قصة انفصاله المدوية عن المغنية الفرنسية فرانس غال.

كانت الأغنية مصدر إلهامٍ للكثير من المؤلفين، ومنهم بول أنكا الذي حصل على حقوق الأغنية بعد سماعه لها في باريس، وترجمها إلى الإنكليزية ليغنيها سيناترا بعد ذلك، ويصدرها بعنوان “My Way” أغنيته الشهيرة.

كانت هذه الأغنية أيضًا مكانًا انطلق منه ديفيد باوي في أغنيته Even a Fool Learns to Love عام 1969 بعد رفضه الدعوة لكتابة الكلمات الإنجليزية للأغنية الأصلية، لكنه عاد إلى الأغنية عام 1971، لتلهمه في الموسيقى التصويرية لفيلم Life On Mars.

شارل أزنافور La Bohème

من مثل أزنافور خطّ أسطرًا منيرة في تاريخ الأغنية الفرنسية. ولا يمكن أن تمر واحدة من أغانيه مرور الكرام، لكنّ La Bohème كانت الأيقونة.

في برد الشتاء ولوعة الفقر والتشرد، كانت بوهيميته تعني أنه سعيد رغم ذلك، يعبّ من مباهج الدنيا ويرسم حبيبته حدّ الثمالة، فالشعور بالعمر لا يتجاوز العشرين ويعيشان روح جيلهما. الأغنية ومعانيها وموسيقاها وصوت أزنافور هي نقلةٌ إلى عالمٍ بوهيمي حقًّا. تستنج في نهاية حلمك الجميل أنه لا يعني شيئًا البتة.

القائمة بالطبع مجحفة في حق أغاني أخرى كثيرة لم نذكرها، لكن هذا هو أبرز ما يذكره المهتمون بالأغنية الفرنسية عنها، وقد قدمناه هنا في هذا المقال، ولقاء ريب مع قوائم أخرى.

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    كيف تصبح غنياً دون أن تكون محظوظاً (عاصفة نافال التويترية)

    Previous article

    كيف أوصلت ستيفاني سانوسيان فان كوخ إلى قلعة حلب ؟

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in ثقافة