علوم

ألف باء المجرات

0
ألف باء المجرات

تُبهرنا سماء الليل بألقها فننظر إليها طويلًا ولساعات، وللأمانة تستحق ذلك، ولا نبالغ بالقول أبدًا أن أولئك الذين اختاروا قضاء أعمارهم في مراقبة سماء الليل ولآلئها كانوا محقين بل وأصحاب ذائقةٍ رفيعة المستوى أيضًا.

وفي هذا السياق، لم يعد خفيًّا على أحدٍ أبدًا أن ذلك الطريق المرصع بالماس الذي يخترق سماء الليالي التي يغيب فيها القمر هو مجرتنا درب التبانة، وقد أصبحنا على درايةٍ بوجود مجراتٍ عديدة في هذا الكون، لكل منها اسمٌ تُعرف به، وحدودٍ أيضًا. وفي ذكر الحدود، أول ما سيتبادر إلى الذهن هو ما الذي يجعل من مجموعةٍ من الأنظمة النجمية بكل ما يتخللها من مكونات هذا الكون مجرة؟ كيف نفصل بين هذه الكيانات؟ ما هي السمات المميزة لحدودها؟

لنبحر في رحلةٍ عبر عالم المجرات الواسع والمذهل هذا، سنتعرف عبرها على ماهية المجرات وما أنواعها، ومم تتألف، كيف ترتبط عناصرها ببعضها البعض لتؤلف المجرة؟ ما هو العدد المتوقع وجوده منها في الكون؟ كيف تنشأ المجرات وكيف تموت؟

ما هي المجرة ومم تتكون

هي واحدة من أكبر الأجسام المرئية في الكون المنظور، وهي تتألف من مجموعاتٍ من الأنظمة النجمية والغازات والغبار، إضافةً إلى تلك المادة المبهمة التي تتخلل كل ما نراه وتشغل أكبر حيّزٍ في الكون، إنها المادة المظلمة. ويعتقد العلماء أنها تؤلف تقريبًا 90 بالمئة من المادة في الكون. وعلى الرغم من كل ما يكتنفها من غموض، لكنها تطبق قوة جاذبة هائلة هي التي أفصحت عن وجودها.

وكما تدور الأجسام في نظامنا الشمسي حول الشمس، تدور المجرات حول مركزٍ لها، يُدعى المركز أو القلب المجري، ويجمع معظم العلماء على أن مركز أغلب المجرات المعروفة اليوم هو ثقب أسود فائق الكتلة.

كيف ترتبط المجرات ببعضها البعض

بكلمةٍ واحدة، الجاذبية، إذ ترتبط الأجسام والعناصر والتي تؤلف المجرة مع بعضها البعض بواسطة قوة الجاذبية؛ فالمجرات ليست تلك الهياكل الموزعة على نحوٍ فوضوي عبر الكون، بل تتوزع عبر مجموعات ترتبط كل منها مع بعضها البعض جذبويًا، ويُقاس انتساب كل جسمٍ إلى مجرة ما بقوة الجاذبية التي يطبقها عليه مركز هذه المجرة، وبالطبع الأكبر جاذبية هو صاحب الحق بأبوة هذا الجرم السماوي.

عدد المجرات المتوقع وجوده في الكون

عدد المجرات الموجودة في الكون هو موضوع جدلٍ قائم بين العلماء، إذ يعتقد بعضهم بوجود مئة مليار مجرة في الكون، كل منها تتألف من مئات المليارات من النجوم، كما توجد مجرات قزمة لا تضم الواحدة منها سوى بضعة عشرات ملايين النجوم.

أنواع المجرات

إلى جانب الأحجام المختلفة من المجرات، هناك أشكال مختلفة منها، وتصنف المجرات وفق شكلها إلى:

المجرات البيضوية (الإهليليجية)

كما يوحي اسم هذه المجرات، لهذه المجرات شكل بيضوي، ويميزها بعدٌ واحد يُشتق من المعادلة

$ E = 10 \times (1 - \frac{b}{a}) $

b و a هما القطران الرئيسي والثانوي. ووفقًا لتصنيف هابل، تأخذ أكثر المجرات كرويةً الرمز E0 أما أكثرها تفلطحًا فتأخذ القيمة E7. هذه المجرات لا تعرف التعاقب، ويكون دوران النجوم في هذا النوع من المجرات عشوائيا، وغالبًا ما تتحرك بطريقةٍ تمنح المجرة شكلًا متطاولًا، ويكون اتجاه ومقدار هذا التطاول على سرعة حركة النجوم واتجاه هذه الحركة. وتبتعد النجوم البعيدة عن مركز المجرة بسرعةٍ كبيرة مبتعدةً عن المركز قبل أن تعيدها قوة الجاذبية، فتعطي المجرة شكلًا أكثر تفلطحًا. وبالنتيجة يكون المحور الأساسي لهذا القطع الناقص هو اتجاه ومسار حركة هذه النجوم.

وتتراوح أحجام هذه المجرات من المجرات فائقة الحجم النادرة الموجودة في مركز العناقيد المجرية الضخمة، والتي يقدر قطرها بمئات الكيلو بارسيك، إلى تلك المجرات المنتشرة بكثرة والمكعروفة بالمجرات القزمة، والتي لا يتجاوز قطرها ال 0.3 كيلو بارسيك.

كما ويختلف سطوع وكتلة هذا النوع من المجرات وفقًا لحجمها، فالمجرات البيضوية العملاقة يفوق سطوعها سطوع الشمس ب 10 مرفوعة للأس 13 مرة، وكذلك النسبة بالنسبة للكتلة. أما المجرات البيضوية القزمة، فسطوعها خافت إذ لا يفوق سطوع الشمس سوى بـ 10 مرفوعة للأس 5 ، أما كتلتها فتفوق كتلة الشمس بـ 10 مرفوعة للأس 7. وأحيانا تكون كثافة النجوم منخفضة في المجرات البيضوية القزمة، بحيث يمكننا مباشرة النظر من خلالها. ومن غير المؤكد إن كانت تلك المجرات البيضوية بمختلف قياساتها تؤلف كيانات متصلة، ويرتبط ذلك بشكلٍ أساسي بالكيفية التي نشأت عبرها المجرة. إذ يُعتقد أن تكون المجرات الفائقة الكتلة نتيجةً لاندماج مجرتين.

كما تغلب هذه الطريقة على طريقة تشكل المجرات البيضوية العادية، كما يُعتقد أن بعضها قد تشكل من تداعي سحب الغبار والغاز بين النجمي. وفي الحالة هذه، سيحول البدء السريع بتشكل النجوم كل الغازات إلى نجومٍ في وقت واحد، دون أن يُترك كميات من الغاز لتؤلف القرص. أما المجرات البيضوية القزمة، ربما تشكلت بالطريقة ذاتها، لكن يرى البعض أنها تشكلت من المخلفات الناجمة عن تشكل المجرات الأكبر. أو نتيجة الذيول المتداخلة للمجرات.

ومهما اختلفت طرق تشكل المجرات البيضوية، نجد انها ذات محتوى أقل من الغبار والغاز من نوعي المجرات الآخرين. والمقدار الموجود فيها لا يمكن له أبًا أن يدعم تشكل نجومٍ جديدة، لذا يمكن القول أن هذه المجرات لن تشهد ولادة نجوم جديدة بعد الآن أبدًا، وهي الآن على وشك أن تشهد جيلًا من النجوم القزمة الحمراء الهرمة داخلها.

المجرات البيضوية

المجرات الحلزونية

حين طرح هابل تصنيفه للمجرات على أساس شكلها، اقترح نوعين يندرجان تحت اسم المجرات الحلزونية وهما: الأول هو الذي تخرج فيه أذرع الشكل الحلزوني من انتفاخ مركزي، والثاني تخرج فيه الأذرع من شريطٍ مركزي؛ وبغض النظر عن هذا التصنيف، للمجرات الحلزونية من الناحية العيانية انتفاخٌ مركزي يتألف من النجوم الهرمة المحاطة بقرصٍ مستوٍ من النجوم اليافعة والغبار والغازات.

يمكن مشاهدة هاتين المنطقتين بالصور الملونة المأخوذة للمجرات التي تواجهنا مباشرة، إذ تكون المنطقة المركزية من هذه المجرات صفراء متوهجة، وتلك دلالةٌ على وجود نجومٍ معمرة، أما السديم المتألق والنجوم الفتية الزرقاء المتشكلة حديثًا من الغاز والغبار في المجرة، فهي تشكل مسار الأذرع الحلزونية الخارجة من قلب المجرة والمؤلفة للقرص المجري. وتُشاهد في المجرات المواجهة لنا الحواف يتخللها الغبار كممرات مظلمة. وهي تشبه الممرات التي نشاهدها في مجرتنا درب التبانة لدى النظر إلى سماء الليل.

يتم تصنيف المجرات الحلزونية وفقًا لتماسك الأذرع الحلزونية، وحجم انتفاخها المركزي. وتعود هذه الاختلافات إلى مقادير الغبار والغاز الموجودة في المجرة. وفي بعض هذه المجرات تصل كتلة الغبار والغازات إلى 2%، ما يعني فرصةً قائمةً لتشكل نجومٍ جديدة في هذا النوع من المجرات. وفي النهاية يحكم هذه المجرات انتفاخها المركزي المؤلف من النجوم المعمرة، وتكون الأقراص في هذه المجرات صغيرة محكمة الترابط.

وهناك أنوع من المجرات تصل فيها نسبة الغبار والغازات إلى 15%، أي أن نسبة كبيرة من كتلة المجرة ستسهم في عملية تشكيل النجوم، لذا يكون الانتفاخ المركزي في هذه المجرات صغيرًا، وأذرعها متباعدة مفككة. ومن أحجام وكتل هذه المجرات هناك تشكيلة واسعة، فأقطارها تتراوح من 5 إلى 100 كيلو بارسيك، أما أوزانها فهي من
109 وحتى 1012 ضعف كتلة شمسنا، أما تألقها فهو يترواح بين 108 وحتى 1011 ضعف توهج الشمس. ويكون اتجاه انحناء الأذرع في المجرات الحلزونية معبرًا عن اتجاه الدوران، ولا تقل سرعة الأذرع ببعدها عن مركز المجرة.

مما سبق، يمكن القول أننا لا نشاهد سوى جزءًا يسيرًا من كتلة المجرة.

المجرات العشوائية غير المنتظمة

هو اسمٌ يُطلق على طيفٍ واسع من المجرات، وعمليًا هو اسمٌ يمكن أن يطلق على أي من المجرات التي لا تنضوي تحت أحد التصنيفين السابقين، ولا يوجد لهذا النوع من المجرات شكلًا أو كتلةً محددين، وأغلب الظن أنها تشكلت نتيجة الاصطدامات، أو الالتقاء مع المجرات الأخرى أو نتيجة تفاعلات داخلية عنيفة> وتضم هذه المجرات نجومًا فتية وهرمة، كما تُشاهد فيها عقد من تجمعات تشكل النجوم. ونظرًا لعدد الأجسام التي لا تُحصى والواقعة ضمن هذا التصنيف، من الصعب تحديد كتلة تعرف بهذه المجرة، أو شكل أو لمعان.

أفضل الأمثلة على تلك المجرات، السحابة الماجلانية الكبيرة والصغيرة. وهي مجرات يمكن أن نشاهدها من نصف الكرة الأرضية الجنوبي.

المجرات غير المنتظمة

عمر المجرات

إن حدوث الأمور على المستوى الكوني يستغرق زمنًا طويلًا جدًا، فلا يمكننا نحن البشر الذين نحيا لبرهةٍ هي أقل من طرفة عين على المستوى الكوني أن نشهد حدوث هذه الأمور، فمثلًا، استغرق تشكل نجمٍ كالشمس 10 مليون عام، وهي تقضي 100 مليون عام لتكمل دورةً واحدة حول مركز المجرة. وتستغرق المجرات المتصادمة زمنًا يُقدر بمليارات السنين لتندمج. لكننا ومع ذلك، نحظى بقدرٍ ولو كان قليلًا من المعرفة بهذه الأمور العظيمة، فهنالك الكثير مما سبق الكلام عنه، والممكن رصده. كما يمكننا أن نشاهد إصدارات عدة من الأحداث نفسها تحدث في أماكن عدة.

ونحن نرى الأحداث في أماكن مختلة وأزمنة مختلفة من الكون بسبب الزمن الذي يستغرقه الضوء للوصول إلى الأرض.

إن المجرات الأولى التي تشكلت في تاريخ الكون الطويل كانت صغيرةً جدًا، وباهتة، لذا لا يمكننا أن نشكل تصورًا واضحًا حول كيفية نشوء المجرات الطفلة، أو ماهية سلوكها أو تفاعلها مع بعضها البعض. لكن ما نعرفه يتلخص بالآتي:

في المراحل المبكرة من نشوء الكون وقبل تشكل أي من النجوم، كان كل ما في الكون هو غازات مستقرة ومادة مظلمة، وقد سببت الجاذبية تفاعل المناظق الأكثر كثافة من المادة المظلمة مع بعضها البعض لتشكل عناقيد, وقد جذبت هذه التجمعات مقادير ضئيلة من الغازات حتى غدت تلك الغازات نفسها من الكثافية بحيث تتمكن من التداعي جذبويًا على بعضها البعض، لتبدأ سلسلةً من تفاعلات الاندماج النووي الحراري. ومن ثم نجوم عديدة، أو لنقل العديد من العناقيد النجمية مع المادة المظلمة المصاحبة لها، تجاذبت مع بعضها البعض واندمجت، ومن ثم شكلت هذه العناقيد المتجمعة تلك المجرات البعيدة والأكبر عمرًا في هذا الكون.

أما الآلية التي تشكلت بها المادة المطظلمة والغازات بعد الانفجار العظيم فهي غير مؤكدة. ولا حتى المرحلة الأولى التي أضاءت فيها أول النجوم عتمة الكون. أو هل هناك حد أدنى من تجمعات المظلمة اللازمة لجذب ما يكفي من للغازات. والأكثر من ذلك هو أن ما إذا كانت النجوم الوليدة الأولى ق تجمعت لتشكل المجرات حتى.

وربما كانت تلك المجرات الأولى صغيرة وهشة، بحيث أن مكوناتها كانت تتبعثر حين تصبح نجومها مستعرات عظمى. ومن المحتمل أن تكون المجرات الأولى قد تشكلت من دورةٍ ثانية من المادة المظلمة والغازات إضافةً للغبار الناجم عن الانفجار. وجميع المجرات الموجودة اليوم، لم تبلغ من العمر بعد عمر الكون المقدر ب 13.7 مليار عام، لذل لا بد وأن بعضها الآن في مرحلة الطفولة. طفولة غازية محاطة بأقراص المادة المظلمة.

هل ستموت المجرات

نعم، بعد تريليونات السنين، ستموت كل النجوم، وبعد انقضاء مرحلة من المستعرات العظمى ومن ثم الثقوب السوداء، لن يتبقى أي شي في الكون، وإن كان اضمحلال البروتون أمرًا مؤكدًا، فسيقضي كوننا باقي عمره فارغًا، باردًا.

لكن لكل شيء سحره، حتى العتمة والسكون.

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    الأعشاب الطبية.. علاج الجدات القديم لطالما كان ناجعًا

    Previous article

    كيف تعلمت الموشن جرافيكس، وكيف يمكنك القيام بذلك بسهولة.. عن تجربة شخصية

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in علوم