حياة

الجذور لا تموت

0

في العالم الذي نحيا فيه اليوم لا تغرك الخيارات الكثيرة، أؤكد لك أنها خيارات محدودة ومرهقة.. غاية في الإرهاق، فلكي تسير في ركب العصر هذا أو أن تحاول حتى التشبث بأذياله لا بد من أن تستغني عن أشياءَ كثيرة، وأحيانًا تكون محببة للغاية ولن تدري إلا ساعة اتخاذك لقرار التخلي عنها أنها بالغة الأهمية لك.

قالت لي أختي ذات يوم: “لن أقتسم منزلي أبدًا مع كائنٍ حي آخر” لا نبات ولا حيوان، وأدركت ما تعنيه تمامًا، فهذه الكائنات تصبح جزءًا لا يتجزأ منا، ويصبح الاستغناء عنها إن اضطررنا أمرًا يفوق احتمال عواطفنا ويرهقنا من الداخل حتى العظام. وهذا ما حدث معي.

في منزلي الصغير عملت على زراعة عدة أصص من الزهور والنباتات، اهتممت بها وكان النظر إليها مصدر سلوى كبيرة لي، لكن الواقع أبى أن يتركني وشأني ووضعني أمام خيار صعب “يجب التخلص منها”.

كان شتاءً قاسيًا للغاية، فقد طال الصقيع حتى النفوس، ومارس قسوته على أزهاري الصغيرة التي لم أجد لها مكانًا بالداخل يقيها برد الشتاء، فاختفت كلها، وأصبحت أنظر إلى أصص مهجورة سوى من التراب. مشهد مؤذٍ فبالنهاية إلى ماذا أنظر أنا!

قررت التخلص منها، كان ذلك قبل الربيع، وما من يوم يمر وأنا أنظر إلى تلك السطول الفارغة إلا وكان يثير أشد الألم في نفسي… لقد ماتت جميعها، حديقتي المحمولة هذه لم يعد لها وجود وبقي التراب ليذكرني بها.

كل يوم أخرج إلى هذه الشرفة وأنا أنوي التخلص من هذه الأصص التي لم تعد تنفع أبدًا، لكن “العشرة صعبة” فهذه الأصص لم أجمعها بين يوم وليلة، لقد زرعتها ورودًا أحببتها ذات يوم، كانت جميلة للغاية فكيف لي التخلص منها وكأنها لم تكن؟

ومن يوم لآخر كان القرار يطويه التأجيل، وشارف الشتاء على النهاية، وبدأت ملامح الربيع.

مع الربيع سأحتاج مساحات أكثر للاستخدام، وأصبح وجود هذه الأصص يشكل احتلالًا لمساحةٍ أحتاجها جدًا، لا بد من أن أرمي هذه السطول.

في اليوم المقرر لذلك بدأت أعد العدة لرميها، وخرجت إلى شرفتي وقد اتخذت قرارًا صارمًا، لا مكان لها في بيتي بعد اليوم.

كان مشهدًا صغيرًا لكنه علمني الكثير، على معظم هذه الأصص بدأت ألمح براعم صغيرة تشق طريقها من داخل التربة، إذًا الجذور لم تمت وقاومت، وتجاوزت شتاءها المؤلم وعادت للعطاء.

في تربةٍ جيدة الجذور لا تموت أبدًا ومستعدة للعطاء في كل مرة، فقط امنحها استراحة الفصول، تحمل شتاء الجذور هذا فقد يعود عليك بما لا تتوقعه أبدًا. الجذور لا تموت، لكن الذي يموت هو ذلك الجانب من أنفسنا الذي يحثنا على الصبر لاكتمال دورة الفصول. ليست كل الفصول ربيعًا.

اليوم أنا أرعى هذه الزهور وأحتمل صقيعها وأنتظرها حتى كل ربيع، كما تحتمل هي إهمالي. وبالطبع أعطي كل ما أعرفه فرصة اكتمال دورة الفصول.

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    سلطعونات جوردان بيترسون

    Previous article

    لا حمّامات في مدارس هذه المدينة

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in حياة