حياة

رحلة في تاريخ الإعلانات

0
تاريخ الاعلانات

عرف جيل التسعينيات ومطلع الألفية التلفزيون أفضل مما نعرفه الآن بعد أن وصلنا إلى الزمن الذي طالعتنا فيه الشبكة  العنكبوتية بكل مزاياها ولعل أهمها “شاهد ما ترغب”.

كمتابعٍ سابقٍ جدًا للتلفزيون ومقلٍّ جدا أيضًا، كان هنالك سؤالٌ ملحٌّ يدور في ذهني كلما قاطع إعلانٌ تلفزيوني أحد المسلسلات التي أتابعها: “ألا يعلم القائمون على الإعلانات أننا نذهب إلى الحمامات أثناءها وأننا لا نشاهدها؟ أو أننا نذهب إلى المطبخ لإعداد مشروب ما؟ ألا يفكرون بأننا نكيل السباب لهم مع كل إعلان تجاري؟ ألا يشعرون بكم هم بغيضون؟ يقاطعون مشاهدتنا أولًا، وثانيًا، يقدمون مادة في غاية السخف”.

لا ضير من الاعتراف بأننا جميعنا نكره الإعلانات، لكن الزمن يمضي ومعه نكتسب معلومات ومعارف جديدة، ومما عرفته أن هذا الإعلان أكثر من مجرد لقطاتٍ تطالعنا على الشاشات ونمقتها، إنها أكثر من ذلك بكثير، وصراحة يبدو أنها هي اليوم مسؤولة عن دفع معاشي الشهري، إنها ترتبط بكل ما نفعله على الشبكة العنكبوتية، وأصبحت أعي جيدًا أن ما من نقرةٍ أنقرها على هذه الشبكة وإلا وتعود بالبيانات المستخدمة في الإعلانات. عالمٌ موجهٌ في حدّ ذاته. وأبسط ما نفعله على الإنترنت، وهو تجربة التصفح، مرتبطة بالإعلانات، والمتصفحات التي تحجب الإعلانات، ورغم أنها تقدم تجربة مستخدم أفضل، لكنها لن تبلغ شأن غوغل، الذي ولوهلة تظن أنه يعرف ما تريد، وفي النهاية تكتشف أنه يتبع خوارزمية تستفيد من بيانات حساباتك جميعها التي وصلت لها عبر غوغل لجمع البيانات، ثم بيعها إلى شركات الطرف الثالث التي تحلل اهتماماتك وتواريخ البحث وحتى التجمعات الإثنية، لتخرج بنتيجة عنوانها “أي نوعٍ من الإعلانات ينبغي أن أضع في وجهك”؟

لنعد إلى الإعلانات، ونعلم أنه موضوع ليس بالمحبب، عودتنا ليست لعرض المزيد من الإعلانات، إنما لعرض موجزٍ تاريخي لهذه الصناعة.

بدايات الإعلانات التجارية

لقد شهدت صناعة الإعلانات عبر التاريخ العديد من المحطات الرئيسية، ولعل اختراع الطباعة إبان القرن الرابع عشر أو اختراع التلفزيون القرن الماضي كانا من المحطات الأساسية جدًّا.

يُعتقد أن البدايات الأولى للإعلان تعود إلى النقوش الفولاذية التي صنعها المصريون القدماء، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الإعلانات عن التطور والتكيف لتلائم الوسائط الجديدة المعروفة للجمهور، الذي ما فتئ يتطور في كل مناحيه الإدراكية.

لكن تبقى الشبكة العنكبوتية هي أكبر الوسائط المؤثرة على عالم الدعاية والإعلان وذلك بشكلٍ لم يسبق له مثيل.

لقد أحدثت شبكة الإنترنت ثورةً في عالم الدعاية والإعلان وبطرقٍ مذهلة، فهي لم تغير طريقة عرض الإعلان فحسب، لكنها غيرت أيضًا الطريقة التي يتفاعل بها الجمهور مع هذا الإعلان، وقد عرف الإعلان مرحلةً كُتب فيها على الرُقم، ثم المناداة والإشارة، أما الإعلان المطبوع الأول فكان حين طبع وليم كانسون إعلانًا صغيرًا يدعو فيه إلى شراء كتابٍ ديني عام 1840.

لنعد إلى الحديث عن الإعلانات أيام ما قبل عصر الإنترنت، إلى الأيام التي كان الإعلان فيها يصلنا عبر البرامج الترويجية المقيتة التي تُذاع على الراديو، والتلفزيونات القديمة المشوشة، واللوائح الإعلانية، حينذاك كان عصر الإعلانات الذهبي حين اعتُبرت حركة الإعلانات بأكملها جزءًا من المجتمع، وغالبًا ما كان يُطبع بحالةٍ ثقافية.

المرة الأولى لظهور الإعلان التلفزيوني كانت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1941، وكان الإعلان حينها يهدف إلى الترويج لساعات بولوفا Bulova الجدارية وساعات اليد.

ومهدت لحظات الإعلان القصيرة تلك الطريق أمام السبعين عامًا القادمة، وحينها كانت الإعلانات جزءًا قويًّا من المجتمع الأمريكي. ورغم أن عقد الخمسينيات كان من السنوات القاسية على أمريكا لدخولها الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي بكل تهديداتها؛ لكن المشاهدين شعروا بالتفاؤل حينها وبدؤوا بحلّ محافظهم المالية مع بداية عصر الازدهار الاقتصادي.

عمد مصمو الإعلانات إلى بناء شخصيات مرتبطة بهذا الإعلان التجاري، وتكون هذه الشخصيات محطّ إعجاب الجمهور، لبناء نوعٍ من الاتصال الهادف للترويج فقط مع الجمهور، ولعلنا ما زلنا نذكر فتى الكاو بوي المرتبط بإعلان سجائر Marlboroo . آنذاك لم تكن الصلة بين المستهلك والإعلان من أولويات العلامة التجارية أو شركات الإعلان في البداية؛ رغم لعب شخصيات شهيرة بطولة العديد من الإعلانات التجارية من الغسالات حتى السجائر والدافع الأول لم يكن بناء أي علاقة، إنما البيع أولا وأخيرا .

إعلان مالبورو

أصبح لفتى الكاو بوي صفة ثقافية مميزة بين فترتي الستينيات والتسعينيات، وقد كانت الفكرة من وراء ذلك هي الترويج لفكرة السجائر المزودة بالفلاتر بين الذكور، على اعتبارها ليست منتجًا أنثويًا فقط. نظرة راعي البقر ذاك الصارمة وشكله العابث، كانا كفيلان ببث الذكورية في الإعلان.

هذا الإعلان لا زال واحدًا من أفضل الإعلانات حتى الآن. وبدأت بعدها مرحلةً جديدة ارتبطت فيها شخصيات من أفلام كرتونية محببة بالإعلانات، ومن الجدير بالذكر أن باباي رجل البحار، نشأ بالأساس كعرضٍ كرتوني للترويج لمنتجٍ يحوي السبانخ بين الصغار.

وعلى الرغم من تعدد الشخصيات التي ارتبطت بالإعلان، بقي الهدف من الإعلانات واحدًا، البيع.

نعم، لقد كانت هذه الشخصيات محورية بالنسبة  للإعلان ولعبت دورًا أساسيًا في خلق ثقافة الإعلان لدى المستهلكين، لكن المنتج كان دومًا في البداية. وربما اعتقدنا أن النمر الوردي أو فتى المالبورو بالنسبة للشركات كانا محور الإعلان الذي ظهرا فيه، لكنهما ببساطة لم يكونا سوى أدواتٍ للبيع ثم البيع ثم البيع.

دوافع مختلفة

اليوم، أظهر التغير في عالم الإعلانات ظهور دوافع أخرى من حيث الأهداف التجارية، وعوضًا عن التركيز على الذهنية التي ترمي إلى البيع؛ تركز الإعلانات اليوم على بناء المجتمعات والتعريف بالعلامات التجارية، “لم يعد المنتج محط اهتمام”، وحل مشكلة المستهلك، لن يحلها سوى المنتَج.

مثال على ذلك: هذا المثال لا يبتعد في جوهره عن الإعلانات التي ترتبط  بالشخصيات، إنه إعلان شركة Diary Milk Gorilla الصادر عام  2007، لم يأتِ حتى على ذكر شركة Cadbury – الشركة التي من المفترض أنها صاحبة الإعلان، وظهور الغوريلا على الهواء مباشرةً لم يرمِ إلى بيع المزيد من شرائح الشوكولا التي تنتجها الشركة، لكنه كان إعلانًا يرمي إلى تكريس الشركة كجهة لطيفة لا غنى عنها في المجتمع، وهي ليست بحاجةٍ لأن تكون محط حديث. وهذا الإعلان ذو الطبيعة الساخرة، جعل المشاهدين يتفاعلون مع العلامة التجارية، وهذا بحد هذه أقرب إلى حوارٍ يجري بين العلامة التجارية والمستهلك.

رحلة في تاريخ الاعلانات

وبالعودة للحديث عن الإعلانات على شبكة الإنترنت، نشاهد أنها تشهد المزيد من الإعلانات الذكية، مثل إعلان Fix in Six الخاص بتحسين أثاث المنازل، فهذا الإعلان يُعرض لمدة ست ثوانٍ من خلال تطبيق Vine، وهو يعرض حلولًا لمشاكل يمكن أن تواجه الجميع في منازلهم مع حلول ممكنة التنفيذ، كما ساعد حس الدعابة في بناء الثقة بين الشركة والمستهلك بعيدًا عن أن الشركة هي “معلن” بالدرجة الأولى، وابتعدت عن نمطية  “تفضل، نحن بحاجتك لتشتري منتجاتنا”.

الانترنت و الإعلانات

إن فكرة تقديم حلولٍ مناسبة للمستهلكين بدل التركيز على المنتج أصبحت فكرةً شائعة، وأصبح على الماركات أن تعمل ضعف ما كانت تعمله لتكسب ثقة المستهلكين في عالم الإنترنت، وعلى كل حال، سننتقل مباشرة للحديث عن الإعلانات على الإنترنت الذي أصبحت فيه عملية الإعلان تتم عبر مرحلتين:

  1. محتوى مفيد يساعد على تقديم الحلول للمشاكل.
  2. بعد تنفيذ الخطوة الأولى،  وبما أن المستهلكين يحبون المحتوى المفيد؛ يمضون في البحث بعيدًا عن هذه العلامة التجارية (وهكذا تُبنى الثقة والتواصل مع المستهلك) الذي تحول من متلقي سلبي إلى مستهلك إيجابي، هذا هو التحول الأكبر.

التحول الأكبر

لا تزال تجاربنا التلفزيونية تعج بالإعلانات التقليدية، لكن الزمن يتغير بصورةٍ أسرع، وقد حدثت الكثير من التغيرات في العشرين عامًا الاخيرة على الصعيد الإعلاني، ويفوق هذا التغير ما حدث في ألفي عام؛ بدءًا من نحت قدامى المصريين لملاحظات عامة على الفولاذ، وحتى الثمانينيات حين أضحى الإعلان ظاهرةً ثقافية من قبيل ما.

ما الذي أدى إلى تغير جذري في المشهد الإعلاني؟ رغم أننا نعيش في عصر ما يُعرف ب Ad-blocker؟

يختار الجمهور ببساطة ألا يقع ضحية مشاهدة الإعلانات التجارية، أو أن تخرج هذه الإعلانات له عبر تجربة التصفح على الإنترنت. ويكفي أن ننظر إلى نسبة التطبيقات التي تمنع الإعلانات من الظهور وظهور منصات البث المدفوعة مثل نتفلكس. نعم لقد أصبح الجمهور يدفع لقاء مشاهدة تخلو من الإعلانات، وهذا الاتجاه العام بالميل لعدم مشاهدة الإعلانات كلف الناشرين 22 مليار دولار عام 2015، وكما تلاحظون ليس بالرقم السهل أبدا.

مخطط

إن لم يُفهم ذلك بأنه إشارة ٌ للمعلنين تخبرهم بضرورة تغيير تكتيكهم (إن لم يكونوا قد بدؤوا ذلك) فماذا سيكون؟! إن ثقة المستهلكين بالمعلنين ضعيفة.

الألفيون هم السائدون ديمغرافيًّا اليوم، لكنهم أيضًا الأكثر تشككًا حين يتعلق الأمر بالإعلانات. وقد أجرت فوربس دراسة أظهرت نتائجها أنهم صعبو المراس حين يتعلق الأمر بمن سيمنحون ثقتهم وعمّن سيحجبونها.

لقد قام 33% من هؤلاء الذي استهدفتهم الدراسة بتصفح المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي قبل إقرار عملية الشراء لاستنباط فكرةٍ أكثر أصالةٍ عن منتجٍ ما، وللحصول على آراء واقعية عن المنتج دون القناع الذي يفرضه الإعلان التجاري.

من هنا انبثقت فكرة خلق حلولٍ للمشاكل، فالعلامات التجارية التي ينبغي أن تثبت وجودها أمام المستهلكين لتدخل اعتبارهم كوجهات للشراء منها في النهاية.

تزداد إذًا الهوة التي تفصلنا عن فتى مالبورو، الذي كلّ ما كان عليه فعله هو التحديق بنظرةٍ قاسية متعالية إلى حصان، لكن لو أنه كان من أبناء اليوم، ما الذي كان عليه فعله يا تُرى؟

صعود المحتوى الذي يخلقه المستخدمون

في محاولةٍ لبناء الثقة مع المستهلكين، تشترك العلامات التجارية مع المستهلكين الهدف من عملية الشراء، وخاصةً أن المستهلكين أصبحوا جزءًا من الإعلان، لا مجرد أشخاصٍ ينظرون إليه بسلبية.

إن السطور الكامنة بين “من يحتاج من” ضبابية أكثر من أي وقتٍ مضى، بعد أن ركزت العلامات التجارية على إنشاء مجتمعات وإشراك المستهلكين في مساعدتها على بيع منتجاتها (لذا تُقدر الشركات موقعًا مثل TripAdvisor ).

لنأخذ مثالًا أيضًا Go Pro  وهي علامةٌ تجارية شهيرة للغاية وهي تعرض دومًا محتوى أنشأه المستخدمون لزبائنها، وعوضًا عن تقديمها إعلانًا يقول ببساطةٍ صارخة: “تفضلوا اشتروا منتجاتنا المذهلة”.، تجعل زبائنها يقومون بالمهمة.

أيضا الشركة المدعوة polaroid، وهي شركة تروج للمحتوى الذي ينشئه الزبائن باستخدام TINT على موقعها عوضًا عن عرض الإعلانات. وتشجع الشركة زبائنها على المشاركة في ذلك عبر سؤالهم القيام بمهمةٍ ما من قبيل “التقط صورة مع ألبوم تايلور سويفت الجديد لتحظى بفرصة ربح كاميرا polaroid22300”.

لمَ ينجح هذا

لأن الناس يثقون بأناسٍ آخرين لا بالعلامات التجارية، كما أن الحاجة إلى متابعين مخلصين أعظم من الحاجة إلى مشترين لمرة واحدة. كل هذا أدى إلى التحول الكبير….

لإدراك الشركات أن الناس يثقون بأناس آخرين وليس بالعلامات التجارية (وضمنًا جميعنا كذلك)، حولت العلامات اهتمامها من مشتري المرة الواحدة إلى خلق متالعٍ موالٍ لها.

لماذا؟؟؟؟؟؟؟

لأن المتابع المناصر يبيع المنتجات بنفسه، كما أن مجموعة من المتابعين الجامحين هي أفضل أدوات الإعلان التي يمكن أن تحظى بها شركة من الشركات. هؤلاء سيصرخون باسم المنتج من أعالي سطوح المنازل دون الحاجة إلى طلب ذلك منهم.

مثالٌ على ذلك ملابس باتاغونيا، فأكثر إعلانات هذه العلامات التجارية شهرةً تختلف اختلافًا جذريًّا عن إعلان مالبورو، وهي تشجع المشترين لملابسها على إرسال ثيابهم للشركة لإصلاحها، عوضًا عن الشراء من علامةٍ تجاريةٍ أخرى.

هل لذلك أثرٌ على انخفاض المبيعات.

عمليًا، لاا

ويخدم ذلك غرضين:

الأول: يخلق ذلك جمهورًا مخلصا للعلامة التجارية، والسبب هو الشعور الذي تبثه العلامة التجارية بحرصها على إسعاد زبائنها وراحتهم، لا سعيها للبيع فقط.

والثاني: بناء الثقة مع المستهلكين.

فكر بالأمر على نحوٍ منطقي، إن شجعتك إحدى العلامات التجارية على إرسال منتجٍ معطوب من منتجاتها لها لإصلاحه على الأرجح أنك ستظن أن هذا المنتج لن يتلف أبدا، إذ ما الذي سيدفعم إلى قول ذلك إن كانوا يبيعون منتجًا رديئًا؟؟؟

بوجود الأدلة التي أصبحت جلية حول تجنب الجمهور للإعلانات المقيتة، من الواضح مدى تأثيره في اختياره ذلك، وانعكاسه على ما يشتري من عدمه.

تاريخ الإعلانات في العالم العربي

الذكريات المرتبطة بالإعلانات في العالم العربي أجزم وبالمطلق أنها غير سعيدةٍ أبدًا، إذ ما زالت الذهنية الرائدة على مستوى الاعلانات في العالم العربي هي “تعالَ اشترٍ ما لدينا”. لكن دومًا هناك ما يُقال، والقاعدة السائدة في هذا الموضوع أيضًا عربيًا هي “القديم له حظوةٌ أكبر ببساطة لأنه كان أفضل”.

بالنظر بعيدًا في التاريخ العربي، ألا يمكن القول وبكل ثقة أنّ سوق عكاظ الشعري كان شكلًا من أشكال الدعاية والإعلان، ألا يمكننا القول أن المدح والهجاء هما أيضًا من أشكال الإعلان؟ أولم تُعلي أشعار المتنبي من شأن سيف الدولة وبقي عالقًا في الذاكرة لأجيال وأجيال؟ أولم يكن بقوله :

ومالتأنيث لاسم الشمس عيبٌ     وما التذكير فخرٌ للهلال 

أول من نادي وجهر “أعلن” عن مساواةٍ بين الجنسين وإن كانت مناسبة البيت هي محاباة لسيف الدولة، لكن مقام البيت جعله يُقال في كل مناسبة من باب التعظيم للنساء؟

لنعد قليلًا إلى أرض الواقع، سننظر إلى الإعلانات في العالم العربي، لكن الحق يُقال، لقد عرف العرب أجمل شكلٍ من أشكال الدعاية والإعلان، إنه الشعر الذي أطرب سامعيه وخلد أصحابه قرونًا طويلًا، وآنذاك أدى مهمته على أتم وجه.

من منا لا يذكر قول الشاعر

قل للمليحة في الخمار الأسود     ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبد 

ببساطة، لم يكن قول هذا البيت بغرض الدعوة لأن تضرب النساء خمورهن على وجوهن، لا…لقد كان الغرض هو الإعلان والدعاية. فمسكين الدارمي أو ربيعة بن عامر هو شاعرٌ عاش في عصر الخلافة الأموية في الكوفة، سمع به أحد تجار الخُمر الذين قدموا إلى المدينة ولم تلقَ تجارته من البراقع سوقًا، فنصح الكثيرون التاجر بالتوجه إلى ربيعة الذي تمنّع في البداية بدعوى أنه انقطع للزهد، لكنه رقّ لحال الرجل وما كان منه إلا أن كتب هذه القصيدة وكان البيت السابق مطلعها، لتنفد بضاعة التاجر البصري بسرعة. وتلتها قصائد عن براقع مذهبة وغيرها.

كما كل شيء، عاني الإعلان من الركود أيضًا في عالمنا. ومؤخرًا، رغم وفرة وسائل الإعلام، لكن ما زال هناك نقص حاد في الوكالات الإعلانية انعكس سلبًا على صناعة الإعلانات. ونجد أنّ معظم الإعلانات إن كانت ناجحة هي لعلامات تجارية شهيرة وتكون مدبلجة عادةً. ودلالة ذلك الواضحة هي العجز عن الإتيان بإعلانٍ على مستوى المنتج.

لا ننكر أن الإعلانات في العالم العربي مرّت بالمراحل السابقة الذكر لكنها ما زالت تراوح في المرحلة الأولى، ما زلنا في مرحلة فتى مالبورو عربيًا للأسف. حتى تلك التي تُبث عبر الانترنت هي واجهةٌ أخرى لفتى مالبورو.

في البداية، تطور الإعلان في العالم العربي مع تطور الطباعة وتقدمها وصدور المجلات، وأول إعلان صدر في الوطن العربي كان في الصحيفة التي أصدتها الحملة الفرنسية على مصر عامة 1798، ثم صحيفة القطائع التي أسسها محمد علي باشا عام 1831.

وفي بداية عصر التلفزيون كانت الإعلانات تُقدم من خلال ممثلين مختصين بذلك، ولا بد أن معظمنا يذكر الممثل ذاته وهو يقوم بالإعلان التجاري للمناديل الورقية تارةً وللمنظفات تارةً أخرى، والتسعينيات هي العصر الذهبي لما نتحدث عنه، إذ لم تتعدَ وظيفة الوجه الإعلاني كونها عملًا روتينيًا. بالمجمل، كيف يمكن لنا ونحن الذين لا نثق بإعلامنا أن نثق بإعلاننا.

الطفرة الوحيدة التي حدثت هي أن المعامل أصبحت تعي تأثير النجوم، فاتجهت لدفع مبالغ طائلة لهم لقاء تقديم الإعلانات. ولم نصل حتى الآن إلى مرحلة جعل الزيون شريكًا في الإعلان، أو تقديم الحلول عوضًا عن البيع.

وبسبب النقص الحاد في البيانات، لا يمكن معرفة مدى جدوى ذلك، لكن الثقة لا تنقصنا أبدًا للقول أن الإعلان منفعل وليس فاعل.

في سوريا مثلًا، ما زالت المؤسسة العربية للإعلان (بإعلاناتها المريعة) هي التي تستأثر بسوق الإعلانات، وهي مؤسسة لا يعنيها الإبداع بقدر الرقابة لديها أولًا وأخيرًا،وغالبًا هي صاحبة اليد العليا في فشل سوق الإعلانات، من رقابةٍ مارستها إلى السذاجة والابتذال المفروضين على هذه الصناعة.

لقد اعتدنا الضحك على هذه الإعلانات، ولربما كانت الفكاهة والابتذال هما المسؤولان عن رسوخ تلك المنتجات في ذاكرتنا، لا جودتها طبعا. وإن تحدثنا عن تلفزيونات أخرى كاللبناني، ربما كان واقع الحال أفضل، لكنه ما زال سوق بانتظاره خطوات عليه قطعها.

بالطبع، كلنا أمل أن يتغير هذا الواقع، في ظل معرفتنا أن شركات كبرى باتت تفكر في شكلٍ من أشكال الإعلانات الفضائية. وحتى يأتي ذلك اليوم كلنا أمل.

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    السفر والعَولمة: قصة حزينة

    Previous article

    «يلي خدتوا محبوبي محبوبي»

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in حياة