ثقافة

لماذا تخيفنا افلام الرعب

1
لماذا تخيفنا افلام الرعب

مع تجاوز أي طفل لعمر الخامسة يصبح على اطلاع تام بأن ما يقدم على الشاشة ما هو إلا تمثيل، هكذا وببساطة. فقد لا يستطيع في هذه المرحلة العمرية التعبير عن تفهمه هذا سوى بهذه الكلمة.

ورغم معرفتنا جميعا بماهية ما يُقدم وبأنه ببساطة تمثيل، لكننا ما زلنا نشاهد ما يُعرض على الشاشات، وأحيانًا نستمتع به. وحين يقرر أحدنا قضاء وقت استراحة أمام هذه الشاشة غالبًا ما سيختار تمضيته مشاهدًا فيلمًا من الأفلام التي تُعرض. ونختلف في ميولنا واختياراتنا، فهناك من يحب الأفلام الرومانسية، أو التاريخية، أو أفلام الأكشن أو الرعب.

قلنا وقت استراحة، فلماذا إذًا قد نختار أحيانًا مشاهدة فيلم رعب؟ الإجابة ببساطة كامنة في ما يفعله منسوب الأدرينالين في الجسم. السؤال الآخر الذي يطرح نفسه أيضًا: نعلم أن هذا تمثيل وأنه نادرًا ما يحدث على أرض الواقع، فلماذا إذًأ نخاف ويتلبسنا الرعب حين نشاهد هذه الأفلام؟ لماذا تغدو أقل حركة وأدنى همسة كفيلة بأن يجفل أحدنا؟ لماذا نبقى مشدودين لها ما دامت ترعبنا؟ تعالوا معنا لنبحث في ذلك.

قبل ذلك، ولإعطاء فكرة عن ماهية وغرابة افلام الرعب كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن فيلم يدعى Midsommar وهو من أفلام الرعب، وهنا ما نود ذكره قد ينطبق على هذا الفيلم من أفلام الرعب دون غيره، إذ يبدأ الفيلم حين يقرر مجموعة من السياح الأمريكيين المشاركة في مهرجان ميدسومار، وهو احتفال بيوم الانقلاب الصيفي في قرية سويدية جميلة، وبمشاهدتك تلك البداية لن يخطر في بالك أبدًا أن الأمور ستسلك هذا المنحى المخيف. لكنّ هذه الأرض المزهرة والسماء المشمسة هي الخلفية التي اختارها مخرج الفيلم آري أستير Ari Aster لفيلمه هذا.

لماذا تخيفنا افلام الرعب

ما سر الخوف الذي يصيبنا من أفلام الرعب

لا بد من القول قبل الخوض أكثر في هذا الموضوع أن مسألة مشاهدة فيلم رعب هي مسألة خاضعة لذوق المشاهد، فهو ليس مجبرًا أبدًا، إنها اختياره وخاصة في هذا الزمن الذي يختار فيه المشاهد ما سيشاهده، وقد أصبح قادرًا حتى على حجب ما لايرغب برؤيته.

لقد مضى على ظهور السينما أكثر من قرن، وهناك أنواع لا تُحصى من أصناف الأفلام مع تصنيفات فرعية لكل منها، وبالطبع من هذه الأفلام ما يجعلنا نتعاطف أو نحلق في عالم من الحب أو نخوض في قصص مختلفة، أو نرتجف.

لكن لا يعني أن أفلام الرعب مفصلة على قياس الجميع، كما أن التأثيرات الأخيرة التي تقترب بها من الواقعية لا تضمن أن تخرج صرخات المشاهدين خوفًا، والعامل المخيف عادةً ما يخضعه صناع الأفلام إلى موضوعية بحتة.

وطبيعة الحال مع أفلام الرعب أنها تخيفنا في وقتها، ولو حدث وشاهدنا فيلمًا أخافنا لدى مشاهدتنا له للمرة الأولى، لانتابتنا موجة من الضحك على أنفسنا من خوفنا في المرة الأولى، وقد تكون معرفتنا بما هو آتٍ هي ما سيجعلنا أكثر تأهبًا للوضع الذي لم نكن متأهبين له في المرة الأولى.

وربما شعرنا أن أفلام الرعب كانت متزامنة مع صرعةٍ اجتاحت العالم في فترةٍ ما، كأن يتناول فيلم ما الأشباح في فترة يكثر اللغط والحديث حول الأشباح فيها، أو أن يتناول عالم البحار، في فترة تناقلت فيها وسائل الإعلام خبر غرق لسفينة أو وجود لأسماك قرش متوحشة.

الحديث في الفقرتين السابقتين ينطبق على أفلام رعب كلاسيكية، لكن الأفلام من نمط Midsommar الذي تدور أحداثه في 2019، فلتحويل مجموعة من البشر وأرض ما إلى عناصر مخيفة ينبغي تحضير الأمر أولا. ولقد مكن التقدم العلمي صناع الأفلام من تكريس مشاهد الرعب بطريقة لم يكن الأمر بها ممكنا قبل مئة عام. ففي الستينيات سادت أفلام الرعب التي كات الدماء تملأ الشاشة بها، أما السبعينيات والثمانينيات فقد حملت نكهة عصر اكتشاف الفضاء.

لكن ما كان مخيفًا آنذاك لم يعد كذلك اليوم، واليوم تُعرض مشاهد أكثر عنفًا بكثير مما كان يُعرض سابقًا. أما النقلة النوعية فأتت متزامنة مع فترة التسعينيات وأوائل الألفية ونشاهدها بوضوح مع أفلام مثل Saw و Tha Last Destination ، ورغم الحضور الواضح للتكنولوجيا في هذه الأفلام؛ لكن ينبغي القول أن من شأن التكنولوجيا أن تلعب دورًا يضفي قِدمًا على الفيلم بدل زيادة عامل التشويق والإثارة فيه. فقد تجعل وحشًا مرعبًا يبدور قريبًا من الواقع، لكن وأثناء محاولة ذلك قد يفسد كل شيء، كما أن زيادة أعداد أشباح ووحوش في فيلم معين يجعلها أكثر اعتيادية وألفة، وأقل رعبًا.

لماذا تخيفنا افلام الرعب

هل ارتباط افلام الرعب بمخاوف المجتمع هو ما يجعلها مخيفة

غالبًا نعم، فهاجس الحرب الباردة الذي استمر عقودًا، رافقته أفلام كانت الفكرة المرعبة فيها هي حدوث حرب نووية يتمخض عنها وحوش بشرية ناتجة عن طفرات وراثية سببها التلوث النووي، أو غزوٍ لكائنات فضائية، أو تجارب علمية فاشلة ينتج عنها مصائب مدمرة، ولهذا السبب أيضًا سنستنتج أن أفلامًا كفرانكشتاين لم تعد تخيفنا.

لماذا تخيفنا افلام الرعب

حسنًا، لقد تقدم العلم، وما كان مستحيلًا آنذاك أضحى أبسط الممكن، وتغلبنا على قسم كبير من مخاوفنا، لكن أفلام الرعب ما زالت تخيفنا، فإذا نظرنا إلى أفلام العقد الأول من الألفية الجديدة سنجد أنها قائمة على استجرار الرعب النفسي والمخاوف الوجودية والخوف من النفس والخوف من المجهول، يُضاف لها عوامل تدفعنا إلى التفكير والحركة.

وبما أننا أصبحنا في عالم يعد بالكثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، على الأغلب ستتجه أفلام الرعب إلى الارتباط أكثر بهذا الأمر. سيأتينا الرعب من التكنولوجيا التي نحيا بها.

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    أول صور التشابك الكمومي .. حماقة أينشتاين التي أصبحت واقعًا

    Previous article

    البرقية الأخيرة: رسالة عبد الرحمن إلى غادة السمان

    Next article

    You may also like

    1 Comment

    1. مقال جميل يستحق القراءة

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in ثقافة