حياة

جان-دومينيك بوبي، الفراشة وجهاز التنفس تحت الماء

0

ملاحظة: هذه القصة حقيقية.

  • الاسم: جان-دومينيك بوبي (Jean-Dominique Bauby).
  • العمر: 43 سنة.
  • المهنة: صحفي، رئيس تحرير المجلة الفرنسية الشهيرة Elle.
  • المواصفات: رجل يحب الحياة، ثري، ذكي، فذّ، أب لطفلين.

في الثامن من شهر ديسمبر 1995م، أصيب جان-دومينيك بجلطة دماغية ودخل في غيبوبة عميقة.

لمّا فتح عينيه مجدّدا، وجد نفسه في غرفة مستشفى واكتشف بمرور الوقت بأنّه مشلول تماما، لا يستطيع الحركة أو الكلام، أو الأكل حتى.. لا يربطه بعالم الأحياء سوى جفنه الأيسر، وفقط.

عاش جان-دومينيك على هذه الحال لأكثر من سنة، مسجونًا في جسد ميّت، ملقى على سرير المستشفى أو مشدودًا إلى كرسي متحرّك، يشاهد الأطباء والممرضات يتوافدون عليه تباعًا، ينظر إلى أفراد عائلته يأتون ويذهبون كدمية عاجزة.

لاحقا، تمّ تشخيص مرض جان-دومينيك بأنّه متلازمة نادرة اسمها “متلازمة الإنغلاق” (Locked-In-Syndrome)، وهو مرض ناتج عن الإتلاف التام لجذع الدماغ، ويترتّب عنه تَعذُّر وصول الرسائل العصبية من المركز العصبي الدماغي إلى العصبونات الحسية في أعضاء الجسم، مما يعيق إمكانية تَحكُّم الإنسان في جسده.

سنة 1997م، وقبل موته بثلاثة أيام، صدر له كتاب تحت عنوان “الفراشة وجهاز التنفس تحت الماء” (العنوان الأصلي: Le Scaphandre et le Papillon ).

فكيف يا تُرى تمكّن جان-دومينيك بوبي من الكتابة وهو مشلول كليا؟

كان الفريق الطبي الخاص بالمستشفى يحاول إعادة تأهيل أطراف جان-دومينيك وعضلات وجهه ومختلف أعضائه الرئيسية من خلال جلسات تدليك متكرّرة، كما حاولوا تحفيز لسانه على الكلام، لكنّ ذلك لم يُجدِ نفعا، فاهتدى الطاقم الطبي إلى طريقة مبتكرة للتواصل مع المريض، وهي من خلال “جفنه الأيسر” السليم: حيث يختار المريض كلمة ما يريد قولها، فتقوم الطبيبة الأرطفونية بقراءة حروف الأبجدية بدءً بالحرف الأكثر استعمالا وانتهاءً بالحرف الأقل استعمالا (في اللغة الفرنسية):

E S A R I N T U L O M D P C F B V H G J Q Z Y X K W

بالمقابل، ينصت إليها المريض جيّدًا، ويحرّك جفنه: إذا كان الحرف المقروء هو أوّل ما تبدأ به الكلمة، يحرّك جفنه مرّة للتعبير عن الموافقة، أمّا إذا لم يكن الحرف المقروء هو الحرف الذي يحتاجه المريض، يحرّك جفنه مرّتين للتعبير عن الرفض.

وهكذا دواليك، اتّبع المريض هذه الطريقة للتعبيرعن بقية الأحرف المشكِّلة للكلمة، ثم للجملة، حتّى استعاد القدرة على التواصل مع المحيطين به.. ثم انتهج نفس الطريقة في كتابة الكتاب الذي قام بنشره قبل موته، حيث قام بإملائه كاملا على مساعدِته كلود منديبيل (Claude Mendibil).. باستعمال جفنه الأيسر فقط!

في كتابه “الفراشة وجهاز التنفس تحت الماء”، حكى جان-دومينيك بوبي عن معاناته واصفا إياها “كالعيش في بذلة غطس تحت الماء”: أي أنّه كان يشعر بأنّه غارقٌ إلى الأبد دون مخرج قريب، دائمُ الإنحدار إلى القاع، يجرفه تيار الحياة حيث شاء، وهو يتبعه دون القدرة على التحكم في أي شيء.

ما صنع هالة المجد حول جان-دومينيك هو تمكّنه من تخطّي حواجز الجسد والصحة ومفاهيم “الممكن والمستحيل منطقيا” وتجاوُزِها كليا؛ فقد اتّخد هذا الرجل مخيّلته وعقله وذاكرته وسيلةً للتحرر من كل القيود التي فرضتها عليه حالته الصحية، وتسلّح بالفكاهة والسخرية والخيال لمواجهة متاعبه اليومية وآلامه المتجدّدة، وصنع مخرجًا لنفسه من العدم.

قصّة جان-دومينيك بوبي كانت ومازالت مصر إلهام دائم منذ إصدارها وإلى اليوم، وقد تمّت ترجمتها إلى فيلم يحمل نفس العنوان “Le Scaphandre et le Papillon” (سنة 2007م). وقد حاز هذا الفيلم على 4 ترشيحات أوسكار وعدد من الجوائز العالمية (Golden Globes، BAFTA، وغيرها)، وحصد تقييما عاليا (08/10) على موقع IMDb، ويُنصَح جدا بمشاهدته!

أميرة قاسيمي
مِن الذين يُريدونَ أن يَترُكوا فِي هذا العالم أثرًا مُزهرا.

شبكات التواصل.. الوسواس الحاكم للعصر الجديد

Previous article

أول صور التشابك الكمومي .. حماقة أينشتاين التي أصبحت واقعًا

Next article

You may also like

Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

More in حياة