ثقافة

عندما اغتصب النازيون نيتشه.. هل فهم هتلر نيتشه حقاً؟!

0
هتلر ونيتشة

يرتبط ذكر هتلر في مناسبات كثيرة بالفيلسوف الألماني نيتشه، لقد نال نيتشه من اللعنات ما يفيض عن احتمال كوكبٍ بأكمله بسبب الفكر النازي الذي قِيل أن نيتشه هو عرابه؛ فهل كان نيتشه هو هذا العراب حقّا. لا يخفى على أحد أن النازيين استخدموا أفكار نيتشه لتبرير وحشيتهم وقسوتهم أحيانًا، لكن هل كان ذلك الاستخدام في محله.

لم يهوَ الفاشيون أحد كما أحبوا نيتشه في أواسط عشرينيات القرن الماضي، حتى أن هتلر أهدى موسوليني الأعمال الكاملة لنيتشه في عيد ميلاده. وكانت أفكار نيتشه حول الإنسان المتفوق وانعدام المساواة والرغبة في امتلاك السلطة هي الدافع وراء ما فعله النازيون على أرض الواقع، تلك الأفعال التي قضى بسببها الملايين نحبهم. لقد أحبوا أفكاره وأضفوا عليه مسحةً من النبوة.

لكن، هل تعلم أن كل هذا كان بسبب فهمٍ خاطئ لأفكاره، ولتغييرات متعمدة طالت كتاباته؟

ومن المعروف بين رواد الفلسفة مدى صعوبة معرفة الهدف من وراء أفكار نيتشه، ويمكن أن تبدو انتقاداته لأخلاقيات العبودية التي امتاز بها اليهود نوعًا من معاداة السامية، بيد أن نيتشه حقيقةً رأى في اليهود شعبًا نافذًا وذا ثقافةٍ رفيعة، لكن هجومه كان على أفكارهم، لا على أبناء الشعب أنفسهم. وكانت أفكاره حول الإنسان المتفوق هي بمثابة مفهوم روحي وليس بالمفهوم القائم على مبادئ عرقية.

زعم نيتشه أن الألمان أمةٌ عظيمة بسبب الدماء البولندية التي تسري في عروقهم، كما رأى في القول بالقومية الألمانية نكتة خطيرة- لكنّ هتلر كان جادًّا للغاية بشأنها- وقد قطع العديد من العلاقات مع أشخاصٍ كأخته وصديقه المؤلف الموسيقي ريتشارد فاغنر بسبب رفضه معاداة السامية. وبعد إصابته بالجنون كتب عدة رسائل ذكر فيها أهمية أن تهاجم أوروبا ألمانيا قبل فوات الأوان.

كيف أصبح نيتشه فيلسوف النازية

أما قصة اختطاف النازيين لهتلر فهي قصة خطيرة. تبدأ هذه القصة من عند شقيقته إليزابيث فورستر نيتشه، والتي عُرف عنها قلة ذكائها، وحين طلبت من الفيلسوف رودولف شتاينر أن يساعدها على فهم الفلسفة التي كتبها أخوها، استسلم شتاينر بعد محاولات مؤلمة لإنجاز ذلك، وذهب إلى حد أنه كتب أنها “تفتقر إلى الحد الأدنى سواء المكتسب أو الفطري لمعرفة أي شيء منطقي، ويفتقر تفكيرها حتى إلى الاتساق المنطقي، وبعيدة كل البعد عن الموضوعية”. وكان زوجها معروفًا بمعاداته السامية، حتى أن نيتشه لم يحتمله البتة.

استولت إليزابيث على كافة ممتلكات نيتشه بعد أن أُصيب بالجنون، وأصبحت بعد ذلك قادرةً على تعديل أعماله وفق هواها لتصدرها بقالبٍ جديد كليًّا، وقد جمعت كتابه The Will to Power من ملاحظات كتبها عن الكتاب لكنه لم يضمنها نسخته الأصلية، وذلك بطريقة تتلاءم ومعتقداتها السياسية، وقد أوقفت نشر كتابه Ecce Homo لسنوات، فكثير من محتوياته كانت تقف عائقًا أمام محاولتها رسم صورة لنيتشه بالإطار الذي أرادته هي. وأثناء النقاشات، كانت قدرتها الكبيرة على تذكر حواراتها مع أخيها تدعم أفكارها. ولوضع الأمور بشأنها في نصابها الصحيح، سنذكر أن هتلر التقاها حين زار متحف نيتشه الذي كانت تديره، كما حضر هتلر جنازتها عام 1935.

كيف استخدم النازيون نيتشه

في الأمم جميعها، يحب الناس وخصوصًا الساسة أن ينسبوا أقوالًا تدعم أفكارهم إلى أبطال أممهم، فالساسة الأمريكيون ينسبون أقوالهم إلى واشنطن وجيفرسون، والساسة العرب يجيدون استخدام أقوال الخلفاء الراشدين والأئمة على اعتبار أنهم مازالوا المثل العليا لدى أبناء الشعب. ولا يختلف القادة النازيون عن غيرهم في هذا الشأن، فقد بحثوا عن عظماء ألمان يستندون إليهم لشرعنة نظامهم الجديد. وأصبح نيتشه- بالتشوهات التي أضافتها أخته إلى فلسفته- هو هذا المثل بالنسبة للنظام النازي الذي أراد أن يبرر أفكاره بالاستناد إلى الفلسفة.

كانت الجامعات الألمانية تدّرس فلسفة نيتشه كجزءٍ من مناهج النظام الجديد، وكانت الإشارة إلى الجنود بصفتهم “سوبرمان” أمرًا شائعًا آنذاك، كما اعتُمد كتابه “الرغبة في السلطة” باعتباره رؤية نفسية أساسية. وزعم الفيلسوف ألفرد بيوملر أن نيتشه تنبأ بصعود هتلر والنازية في ألمانيا.

بعد انتهاء الحرب، صحح الفيلسوف الأمريكي- اليهودي والتر كوفمان قسمًا كبيرًا من أعمال نيتشه التي طالها التشويه كي تتلاءم وإيديولوجيا شقيقته والنازيين من بعدها، وكُشف زيف القول بأن نيتشه كان فاشيًّا بدائيًّا.

هل كان نيتشه فيلسوفًا لطيفًا

ما زلنا في نيتشه، ولاحظوا أننا لم نقل حتى الآن أنه كان فتىً لطيفًا ذي آراءٍ تقدمية بشأن الكثير من القضايا، فنيتشه كانت له آراء رجعية بشكلٍ لا يُصدق تجاه النساء، ولم يصور المرأة المثالية بأكثر من مجرد كونها حضنًا للسوبرمان. عند هذه النقطة، ورفض نيتشه للمساواة والديمقراطية، يمكن القول أن الفاشية تتماشى وفلسفة نيتشه، كما اقترب خطابه أحيانًا من القول القريب إلى “دعونا نأكل الفقراء”.

يمكن القول أن نيتشه لم يكن قديسًا، لكنه لم يكن نازيًّا أيضًا، فإن لم تكن قراءة فلسفة نيتشه صادمة لك، لا بد أن تشعر بخطبٍ ما.

يصعب فهم فلسفة نيتشه وأيضًا يصعب تفسيرها. وحتى اليوم يصر اليمين المتطرف في دولٍ عديدة على استخدام فلسفة نيتشه لشرعنة أفعاله وأفكاره. وكان نيتشه معاديًا للحركات القومية، واعتبر اليهود قومًا يستحقون العداء، كما احتقر المسيحية والحركات الجماهيرية من شتى الأنواع. قراءته السيئة هي التي تبرر اعتباره فاشيًّا، بدلا من اعتباره بطلًا من الأبطال الذين أيدوا فكرة العبقرية الفردية، وهو ما كان عليه حقا.

ما الذي يعنيه هذا لنا اليوم

غالبًا، يمكن إخراج أي فلسفةٍ من سياقها كما حدث مع فلسفة نيتشه، وهذا ليس بالأمر الصعب مطلقًا. ويمكن أن نذكر أمثلةً على ذلك دون أدنى صعوبة؛ إذ يمكن لأي ماركسي الادعاء أن أحد الأنظمة الشيوعية في القرن الماضي عملت على تشويه الفلسفة خدمةً لأغراض شخصية. كما يمكن أن يجادل معتنقي النفعية بأن أي فعل يمكن أن يتم بهدف خدمة الصالح العام. كما يمكن القول بأن الكتب السماوية أتت لتبرر كل فعل من العبودية حتى الخلود.

خلاصة القول، يمكن أن نحرف أي شيء عن مساره دون أن نفهمه حتى، كما فعلت إليزابيث نيتشه، وكل ما كان بحوزتها هو القانون الذي كان بصفها آنذاك، إضافةً إلى بعض الظروف الملائمة لذلك رغم معارضة من تتلمذوا على يديه قبل جنونه وأصدقائه المقربين. يمكن أن يحدث هذا لأي مدرسةٍ فكرية، وهذا أمر مخيف حقا. لذا وقبل أن تتخذ موقفًا من أي فكرة، تأكد من قراءةٍ كاملة للقصة.

كلمة أخيرة

القول بأن فلسفة نيتشه هي فلسفة مجنون، أمرٌ مجحفٌ حقًّا، فهو لم يكتب فلسفته إبان جنونه. لكن القول أن من قرأها وفسرها على هواه هو مجنون هو قول يصيب كبد الحقيقة. فجنون هتلر لا يختلف عليه اثنان، فقارئ كتابه “كفاحي” سيلمس ذلك بمنتهى البساطة. لقد كانت آراؤه عنصرية بطريقةٍ لم يرَ البشر مثلها، تجاه المرأة وشعوب العالم غير الآرية وتجاه اليهود والزنوج والمعاقين.

رأى هتلر في المرأة هي تلك التي ستتولى تربية المواطن الألماني الصالح، وتنتهي حقوق المرأة هنا، وعقوبتها صارمة إن هي قررت الإجهاض. أما الشعوب غير الآرية فهي شعوب دون ولا تستحق ما يسميه حقوق الألماني، كما أنه يرفض تماما فكرة الاختلاط بأعراق أخرى عبر التزاوج، ويصر على أن النخبة والفردية هي المحرك للتطور وما باقي البشر إلا قطيع يسيرون في هذا الركب. ورأى في اليهود أولئك الأنذال التي يريدون السيطرة على العالم وبث الفتن فيه لصالحهم، والزنوج في منزلة القرود، أما المعاقين، فبنظره أي إنسانٍ عادي معافى بدنيًّا ذي أهمية وقدرة أكبر من قدرة المعاق مهما بلغ نبوغه.

الإشكالية التي تبرز هنا قد نجدها في أي مكان، فالنازية ليست نتاج فلسفة نيتشه، كما أن دمار هيروشيما أو تشيرنوبل ليس نتاج العلم الذي اكتشف الطاقة النووية، .. وتطول أمثلة ذلك. لكن الحق هو أن الاستخدام السيئ وأشرار العالم الذين يفرغون أي شيء من مضمونه الحقيقي ليصبح على هواهم هو المشكلة الحقيقية والأزلية.

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    كيف أوصلت ستيفاني سانوسيان فان كوخ إلى قلعة حلب ؟

    Previous article

    تفوق.. نجاح.. ثروة.. جمال.. سلطة.. هل هي مفاتيح الحياة حقًّا

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in ثقافة