ثقافة

عمر الخيام.. دافنشي العرب الذي لم ينل حقه

0
عمر الخيام

لأمة لمّا يزل الشقاق يضرب أطنابه بين ظهرانيها.. لأمةٍ لم تنصف العُمَرين، وُلد عمرٌ لم يكن نصيبه من الإنصاف بأفضل من سابقيه.. بل لربما أسوأ لقلة ما عُرف عنه، ولآثاره التي غيّبها التاريخ زمنًا طويلًا.

إلهي قلي من خلا من خطيئةٍ            وكيف يا ترى عاش البريء من الذنب
إذا كنت تجزي الذنب مني بمثله       ما الفرق ما بيني وبينك يا ربي

ألا يُعطينا ذلك فكرةً واضحةً عن نقاء باطن هذا الإنسان؟

ما زال الخيام موضع جدلٍ قائم حتى الآن، ولأسباب عدة. وهنا وكوننا نستعرض علمًا تاريخيّا لا بد من التنويه بأن الحقيقة التي مصدرها التاريخ يُؤخذ عليها أنها تُكتب بيد القوي، وأنها دومًا ناقصة خاصة إن تولى كتابتها من ليس أهلًا لها.

في أسطرنا القليلة القادمة سنيمم وجوهنا شطر تلك البلاد، ونحن نعلم علم اليقين أننا لن نفي الخيام حقه أبدًا. في جهدنا المتواضع هذا سنحكي حكاية الخيام.

ولادته وبداياته المبكرة

اختلف المؤرخون في المكان الذي وًلد فيه الخيام، فبعضهم يقول أنه وُلد في نيسابور عاصمة خراسان سنة 433 للهجرة (1040 للميلاد) في عهد السلطان السلجوقي الأول أرطغرل. كما قيل أنه وُلد في قرية شمشاد من نواحي بلخ، أو في قرية بسبنك من أعمال استراباد. لكن ما يجمع عليه المؤرخون هو استقراره في نيسابور ودراسته فيها، ونبوغه منذ صغره، حتى دخوله جامعة نيسابور وتتلمذه على يد الإمام موفق الدين النيسابوري.

في عامه الثامن عشر، بدأ الخيام كتابة أبحاثه في الجبر، كما بدأ بدراسة المذاهب الفلسفية وانكب على دراسة الفلسفة اليونانية وأعمال الرياضي الشهير إقليدس، ومجسطي بطليموس.

في جامعة نيسابور

كانت نيسابور آنذاك قبلة الدارسين من أبناء الموسرين في الشرق، وقد ملأت المدارس أنحاءها كافة. وبعد وفاة والد عمر، أخذ ما ورثه من مال أبيه ورصده للدراسة في نيسابور. هناك، لمس فيه أستاذه بوادر نبوغه المبكر، ولم ينهِ دراسته فيها إلّا وكان قد نال لقب الحكيم بكل جدارة.

لعلّ أبرز ما شهده الخيام في هذه الجامعة، هو اقتسامه السكن مع اثنين من أكثر الشخصيات التي عرفها التاريخ عمومًا والتاريخ الإسلامي خصوصًا دهاءً وحنكةً – نظام الملك والحسن بن الصباح، هاتان الشخصيتان اللتان رسمتا معالم التاريخ ردحًا طويلًا من الزمن، وبالطبع لم يصعب على حسن بما عُرف به من دهاء أن يستشرف ما سيكون لصاحبيه من شأن، فقطع معهما عهدًا بأن يساعد من ينال الحظوة والسلطان صديقيه الآخرين ممن لم يسعفهما الحظ بذلك. وهناك إجماع بين المؤرخين حول صحة هذه الحادثة.

عمر الخيام المسالم العالم

كان نظام الملك هو صاحب الحظ الأوفر بالوصول إلى السلطان، فأصبح وزيرًا لألب أرسلان، وكان له شأن عظيم في السلطان والحكم تلك الأيام. ولسنا هنا بمعرض ذكر شأنه مع الحسن بن الصباح الذي غير خارطة الأمة، لكنه كان باقيًا على العهد مع عمر الخيام الذي جاءه يذكره بالعهد، فعرض عليه نظام الملك أن يقربه من السلطان وأن يجلسه في مجلسه لثقته أنه سينال رضى ألب أرسلان لحكمته وسعة معارفه. لكنّ عمر رفض ذلك، وطلب من نظام الملك أن يُصرَف له ما يعينه على شؤون الحياة والتفرغ لعلمه بحجة أن مجلس السلطان سيصرفه عن علومه. كان له ما أراد وصرف له نظام الملك من خزينة الدولة 1200 دينارًا ذهبيًا كل عام ليتمكن من الانصراف إلى علومه.

بذلك نأى عمر الخيام بنفسه عن صراعات تلك الحقبة، وانتهج طريق العالم والشاعر المنعزل، أما ساحة النزاع والقسوة والعنف فتركها لصديقيه الآخرين.

عمر الخيام الرياضي والفلكي والحكيم

ينتمي الخيام في تكوينه الفكري إلى صرح الحضارة العربية- الإسلامية التي نهل منها، ثم كان منه أن أغناها بما بثه فيها من مؤلفاته باللغتين العربية والفارسية.

قُلنا آنفًا أنه بدأ أبحاثه في الجبر في عمر الثامنة عشر، وفي عمر الواحدة والثلاثين وضع عمر تقويمًا فلكيًا كان من الدقة بأنه لم يختلف عن التقويم الغريغوري المعمول به في أوروبا سوى بست ثوانٍ ونصف. كما رصد الخيام القبة السماوية بآلات خاصة لرصد الكواكب.

كانت لعمر معرفةً بالأحوال المناخية، وجغرافيا العالم. كما كان حكيمًا يُعتَدّ برأيه في تفسير القرآن والحديث. ولدى النظر إلى ما خلفه من آثار في الرياضيات، لا يسعنا إلا التطلع دهشةً نحو هذا العالم الذي سبق زمانه بكثير، إذ له أبحاثٌ في الهندسة وحسابات مساحات الأشكال الهندسية، وقد وضحها بالرسوم. يُذكر عمر أيضًا بعلمه ومعرفته في الطبيعيات.

في علمه عن الطقس يُروى أن السلطان ملكشاه أرسل شتاء 509 للهجرة يسأل عمر أن يختار له خمسة أيام يخرج فيها للصيد والقنص، أيام لا ينزل فيها المطر، ولما استعد السلطان للخروج هطل المطر وهبت رياحين، ونزلت ثلوج، فأراد ملكشاه العودة ولكن الخيام قال له: “لا عليك يا مولاي..سينقطع المطر في هذه الساعة، ثم لا يهطل في الأيام الخمسة القادمة”. وهكذا كان.

باختصار، لدى تناولنا عمر العالم، نحن بصدد الحديث عن موسوعةٍ سبقت زمانها بكثير. وقد قام الدكتور رحيم رضا زاده ملك بجمع رسائل عمر الخيام في مجلدٍ أطلق عليه اسم موسوعة الخيام، تضمنت رسائله العلمية والفلسفية والأدبية. هذه الرسائل المؤلفة بالعربية هي:

  1. رسالة في شرح ما أشكل من مصادرات كتاب إقليدس.
  2. رسالة في قسمة ربع الدائرة.
  3. رسالة في البراهين على مسائل الجبر والمقالبلة.
  4. رسالة في الاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما.
  5. القول على أجناس الذي بالأربعة.
  6. رسالة في الكون والتكليف.
  7. ضرورة التضاد في العالم والجبر والبقاء.
  8. رسالة الضياء العقلي في موضوع العلم الكلي.
  9. رسالة في الوجود.
  10. رسالة جوابًا لثلاث مسائل.

وللخيام عدة مؤلفات بالفارسية منها “رسالة في كشف حقيقة النوروز” وقد ترجم الخطبة الغراء لابن سينا التي كانت أصلًا بالعربية إلى الفارسية.

رباعيات الخيام

كان دافنشي مهندسًا ومعماريًّا لا يُشق له غبار، لكنّه عُرف كرسام، والحال مشابه في حالة عمر الخيام، فعمر الرياضي والفلكي ليس معروفًا بقدر ما هو معروف عمر الشاعر.

والرباعية تتألف من أربعة مقاطع، وهي مجموعة من الأشعار تستقل كل منها بالحكمة التي تنتظم فيها.

ما وُجد وجُمع من الرباعيات الكثير منه لا يعود لعمر الخيام، وقد نُسب له عمدًا أو لغياب الاهتمام بالتدوين. فكان العديد ممن كتب على شاكلته ينسب له ما كتب.

وقد ظلت الرباعيات غائبة في بطون الكتب حتى وُفق كويل في العثور على أقدم نسخة خطية في مكتبة بودليان بأكسفورد، فنشر عنها وعن حياة عمر في مجلة كلتكا 1858، ثم كتب بعد ذلك إلى صديقه الشاعر فيتزجرالد الذي درسها وترجمها.

لم تحظَ ترجمة فيتزجرالد الأولى بأية أهمية، وطبع من المخطوط مائتي نسخة انتهى بها المطاف على رفوف المكتبات رغم انخفاض سعر مبيعها. وشاءت الصدف أن تقع بين يدي روزن وسوينبري، اللذان قرآها في المجالس العامة، فنالت نصيبًا كبيرًا من الشهرة، وطُبعت منها نُسخ عديدة. وحتى مع الطبعة الثانية، أغفل فيتزجرالد ذكر اسمه، ولم يذكره حتى الطبعة الثالثة. ورغم ما كان في هذه الرباعيات من مجون لم يتماشى مع روح بريطانيا الفيكتورية آنذاك، لكن ما شفع لها أنها كانت آتية من كاتبٍ شرقي نادى بشيء يختلف عمّا ساد روح ذلك العصر.

المهمة الأصعب كانت تجريد الرباعيات من المنسوب لها، لينتهي المطاف بعددها الكلي المؤكد نسبته لعمر الخيام غير متجاوز الـ175 رباعية.

كانت تملأ روح عمر أسئلة كبرى تبدو واضحة وجليّة في رباعياته، وما لجوئه إلى الخمرة إلا لينسى ما هو واقعٌ فيه من حيرة أحيانًا، أو ليسمو بروحه لتتفتح بصيرته أكثر على حقيقة الوجود. كان عمر مؤمن بأننا لم نختر مجيئنا إلى هذه الدنيا، وأن مقامنا فيها محدود، فلم لا نستمتع بكل يوم. ومعروف أن عمر سنّ قانونًا لشرب الخمرة، وكان ينصح شاربيها بألا يفحشوا القول أو السلوك، وبأن يشربوها في الخفاء وبغية السعادة والراحة الخالصة. ويقول في ذلك :”ليس شرب الخمرة من أجل الطرب والفساد وترك الدين والأدب، إنما أريد أن أتنفس الصعداء وأنا ذاهل عن نفسي، فشربي الخمرة وسكري لهذا السبب”.

وقد ظن كثيرون أن الخمرة التي يتغني بها الخيام هي خمرة الحقيقة المقدسة التي ينشدها شعراء الصوفية كابن الفارض وجلال الدين الرومي. لكن عمر واعٍ تمامًا لما يقوم به.

بزجاجتين قطعت عمري             وعليهما عولت أمري
فزجاجةٌ ملئت بحبري                وزجاجة ملئت بخمري
فبذي أدون حكمتي                  وبذي أزيل هموم صدري

ورغم إنكار عمر البعث في الآخرة في مواضع عدة، وإيمانه بأننا مجبرين على ما نفعله في هذه الدنيا؛ لكنه لا يلبث أن يعود عن شكوكه هذه متضرعًا إلى الخالق أن يغفر الزلات التي يمر بها، وأن يلتمس له العذر.

أحس في نفسي دبيب الفناء          ولم أصب في العيش إلا الشقاء
يا حسرتا إن حان حيني               ولم يتح لفكري حل لغز القضاء

وفي موضعٍ آخر يقول:

إن لم أكن أخلصت في طاعتك     فإنني أطمع في رحمتك
وإنما يشفع لي أنني قد           عشت لا أشرك في وحدتك

لم تنتهِ شكوك عمر الخيام أبدًا إلى بر اليقين، وبقي دومًا يشتكي من قصر الحياة، لذا لا يرى داعٍ للحزن والألم، فمثوانا التراب في نهاية المطاف، وأكوابنا الطينية اختلطت فيها رؤوس الملوك بأقدام السوقة.

أخيرًا إلى أين نحن صائرون؟

وما خبر هذه الآخرة التي إليها المصير؟

والتي لم يعد أحدٌ منها ليخبرنا بأمرها وخبرها؟

عاش عمر حياته في وسط تعتمل داخله الفتن والمؤامرات.. تقوم دول تفنى دول وتخلو النفوس من كريم العواطف وانجلى لعينيه بطلان العالم، ينال الحظوة لدى الملوك من ليسوا أهلًا لها، وأدعياء الزهد والصلاح يجهرون بالتقوة وهم أخبث الناس طوية.

قصر عمر وقته ومجالسته على فئةٍ قليلة من الناس، وهم من ارتاحت نفسه إليهم، ولم يتزوج مطلقًا، ولم يسجل التاريخ ولدًا من ذريته، وهو يشبه أبو العلاء المعري الذي اقتنع أن مجيئه إلى الدنيا لم يكن بإرادته ولم يرد أن يجني على أحد.

والغريب أن الخيام قال يومًا: “سيكون قبري في موضعٍ تهب عليه نسمات الشمال وينتشر عليه الورد والزهر”.

هذا ما كان فعلًا، فقد توفي الخيام عام 517 للهجرة تقريبًا، ويقع قبره في نيسابور وهو معروف ومشهور حتى الآن في حديقة تظلله الأشجار والورود.

عمر الخيام
نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    كيف تعلمت الموشن جرافيكس، وكيف يمكنك القيام بذلك بسهولة.. عن تجربة شخصية

    Previous article

    هل انقرض الفلاسفة ؟ أم لم نحن نعد بحاجة إليهم اليوم؟

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in ثقافة