علوم

أول صور التشابك الكمومي .. حماقة أينشتاين التي أصبحت واقعًا

0
أينشتاين و بور
أول صور التشابك الكمومي

احتفى عالم الفيزياء يوم الثالث عشر من الجاري بالتقاط أول صورة لظاهرةٍ أطلق عليها أينشتاين يومًا “التأثير الشبحي عن بعد”.

وتظهر الصورة الملتقطة شكلًا قويًّا من أشكال التشابك الكمومي وفيه يؤثر جسيمان ببعضهما البعض ويتشاركان حالاتهما الفيزيائية لمدة وجيزة. ويحدث ذلك أيًّا كانت المسافة الفاصلة بين الجسيمين.

أول صور التشابك الكمومي
أول صور التشابك الكمومي (المصدر BBC)

وتُعرف هذه الرابطة باسم تشابك بيل Bell Entanglment وهي تُعد جزءًا لا يتجزأ من ميكانيكا الكم.

ويقول بول أنطوان مورو Paul-Antoine Moreau من كلية الفيزياء في جامعة غلاسكو، أن الصورة هي تمثيل أنيق لظاهرة أساسية من ظواهر الطبيعة. كما أضاف بأنها نتيجةٌ مثيرة قد تستخدم لإحراز تقدمٍ في مجال الحوسبة الكمومية الصاعد كما قد تقود إلى أنماط جديدة من التصوير.

وقد كانت هذه الظاهرة هي التي دفعت أينشتاين لوصف ميكانيكا الكم بالشبحية، بسبب التفاعل “التآثر” اللحظي الحاصل ظاهريًّا وعن وبعد بين الجسيمات المتشابكة.

وفي حينها بدا هذا التفاعل غير متوافق مع عناصر نظريته في النسبية الخاصة، لكن العالم جون بيل John Bell صاغ المعادلات التي تصف هذا الفعل بالتفصيل بوصفه شكلًا قويًّا من أشكال التشابك التي تظهر فيها هذه الخاصة.

ويُسخّر اليوم تشابك بيل في التطبيقات العملية كالحوسبة الكمومية والتشفير، لكن ورغم لمسنا التطبيقات العملية للتشابك الكمومي، إلا أن صورة كهذا لم تُلتقط مطلقًا من قبل. ولتحقيق ذلك ابتكر فريق علماء جامعة غلاسكو نظامًا يتم منه إطلاق تيار من الفوتونات المتشابكة من مصدر ضوئي كمومي على أجسام غير تقليدية. وقد عُرض ذلك على مواد من بلوات سائلة تقوم بتغيير طور الفوتونات التي تعبرها.

التشابك الكمومي ومعارك قديمة اجتاحت الفيزياء

في تحليل لأعمال أينشاين، أجمع العلماء على أن انتقاده الشهير لميكانيكا الكم كان أقدم بخمسة أعوام من إعلانه عنه، وقد أصبحت عبارة أينشتاين ” التأثير الشبحي عن بعد “مرافقةً لواحدةٍ من أشهر المحطات في تاريخ الفيزياء وهي معركته مع نيلز بور حول كمال ميكانيكا الكم، وكان سلاح أينشتاين في هذه المعركة هو تجارب ذهنية صممها ليُظهر أماكن القصور الذي يعتقد أنه يكتنف النظرية الجديدة.

أشهر هذه التجارب كانت التجربة الشهيرة باسم مفارقة EPR، التي أُعلن عنها عام 1935 والتي أخذت اسمها من الأحرف الأولى لأسماء مبتكريها، أينشتاين وبوريس بودولسكي Boris Podolsky وناثان روزن Nathan Rosen.

أول صور التشابك الكمومي
ألبرت أينشتاين

تتضمن هذه التجربة زوجًا من الجسيمات التي تربطها خاصية تشابك كمومية غريبة، مع العلم أن كلمة تشابك صيغت فيما بعد. ويحدث التشابك لدى ارتباط جسيمين مع بعضهما البعض ارتباطًأ وثيقًا بحيث يتشاركان خصائص وجودهما ذاتها. وبلغة ميكانيكا الكم، يُوصف هذان الجسيمان بالعلاقة الرياضية نفسها التي تُعرف بالدالة الموجية.

على سبيل المثال، يحدث التشابك بشكلٍ طبيعي لدى نشوء جسيمين في اللحظة والمكان نفسه من الفضاء. ويمكن أن تفصل بين الجسيمات المترابطة مسافات شاسعة في الفضاء، لكن ورغم ذلك تنص الرياضيات الخاصة بها على أن القياس الذي يتم إجراؤه على أحدهما يؤثر بشكلٍ آني على الآخر بغض النظر عن المسافة.

وقد أوضح أينشتاين وشركاؤه في التجربة أنه وفقًا للنسبية الخاصة، كان هذا مستحيلًا، ولذا كان لا بد من أن تكون ميكانيكا الكم على خطأ أو على الأقل ناقصة، وسماه أينشتاين ” التأثير الشبحي عن بعد “.

أربكت هذه المفارقة نيلز بور، ولم تُحل حتى عام 1964، بعد وفاة أينشتاين بزمنٍ طويل. فقد حلها فيزيائي سيرن جون بيل بعد أن فكر بالتشابك على أنه ظاهرة جديدة سماها “لا موضعية”.

والفكرة الأساسية هنا هي بالتفكير بانتقال المعلومات؛ فالتشابك يسمح لأحد الجسيمات بالتأثير لحظيًا بالجسيم الآخر، لكنّ ذلك ليس بطريقةٍ تسمح بانتقال المعلومات التقليدية بسرعةٍ أكبر من سرعة الضوء، وقد حلّ هذا وجه التناقض مع النسبية الخاصة، لكنه أبقى على كيانٍ كامل من الغموض قائمًا. وما زال موضوع التشابك الغامض موضع تركيز العديد من مخابر البحث حول العالم.

لكننا لم نقصّ الحكاية كاملةً بعد، فالحقيقة هي أن أينشتاين وقف أمام هذه المعضلة جون قصدٍ منه قبل الإفصاح عنها، وذلك عام 1930.

ففي تلك الآونة، كان أينشتاين يعمل على مفارقةٍ أخرى طرحها في مؤتمر سولفيه في بروكسل عام 1930، وتلك المعضلة آنذاك كانت تركز على العلاقة بين الزمن والطاقة في مبدأ الشك لهايزينبرغ، وهي تنص على استحالة قياس الاثنين معًا بدقةٍ عالية.

وفي تحدٍّ لذلك، اقترح أينشتاين التجربة الذهنية التالية: تخيل صندوقًا يمكن أن يُفتح ويُغلق بسرعة، وفيه مجموعة من الفوتونات، ولدى فتحه، يصدر الصندوق فوتونًا وحيدًا.

يمكن قياس زمن الإصدار بدقةٍ متفق عليها، فهي المدة الزمنية التي بقي فيها الصندوق مفتوحًا، ووفقًا لميكانيكا الكم، فهذا يحد من الدقة التي يمكنك قياس طاقة الفوتونات بها. لكنّ أينشتاين بيّن أيضًا أن هذا المقدار يمكن قياسه بدقةٍ متفق عليها، وليس عبر قياس طاقة الفوتون، بل بقياس تغير طاقة الصندوق لدى إصداره الفوتون، والذي ينبغي أن يكون مساويا لطاقة الفوتون، وهذا يدعو إلى القول بعدم اتساق ميكانيكا الكم.

وخرج نيلز بور الذي عمل جاهدا على المسألة في النهاية بأن الجواب يكمن في نظرية أينشتاين في النسبية العامة، فبما أن قياس الزمن يحصل في حقل ثقالي، فالمدة الزمنية التي يبقى فيها الصندوق مفتوحًا لا بد أن تعتمد على موضع الصندوق.

والشك الذي يكتنف مكان وجود الصندوق هو عامل إضافي آخر لم يأخذه أينشتاين بعين الاعتبار، وعد هذا بور حلّ المشكلة. وبذلك هُزم أينشتاين.

وبالطبع إجابة بور ليست بالإجابة الشافية بالنسبة لعينٍ معاصرة، فهي تنص على أن ميكانيكا الكم بحاجةٍ إلى النسبية العامة كي تخرج متناسقة، وهي الفكرة التي يُجمع على رفضها الفيزيائيون المعاصرون. وهي فكرة لم يتم التحقق منها أيضًا في الفيزياء المعاصرة حتى الآن.

وفي حل بور، كان الأمر الملائم هو التفكير بطاقة المنظومة الكلية، والتي هي طاقة الصندوق وطاقة الفوتون. والطاقة الكلية ثابتة ويحكمها كيان فيزيائي واحد، حتى بعد إصدار الفوتون.

ومن هذا لا بد أن يكون كلًّا من الصندوق والفوتون متشابكين، ولم يلبث هذا أن أثار مفارقة EPR التي أثارها أينشتاين: القياس الذي تم إجراؤه على الصندوق أثّر بشكل لحظي على الفوتون، والعكس صحيح، وهذا ما يُدعى التأثير الشبحي عن بعد.

ولهذا السبب تكافئ مفارقة الفوتون مفارقة EPR، ولو لاحظ أينشتاين ذلك، لاستطاع أن يوقف بور عند هذا الحد.

السرد التاريخي- الفيزيائي السابق فيما يخص التأثير الشبحي عن بعد عُد النصر الأكبر لبور على أينشتاين، لكننا اليوم نعي مدى صعوبة إحرازه لهذا النصر لو أن أينشتاين أعاد صياغة جدله على أساس التشابك.

ما هو التأثير الشبحي عن بعد أو التشابك الكمومي

قصصنا السياق التاريخي لهذا التأثير، والذي يُطلق اليوم عليه رسميّا اسم التشابك الكمومي . إلا أننا نود التعريف به الآن من وجهة نظر الفيزياء، فما هو.

كي نشرح مفهوم التأثير الشبحي عن بعد، أولًا علينا خوض هذه التجربة الذهنية:

إن لدينا جسيم عليه التفكك لينتج عنه جسيمين، سيدور أحدهما للأعلى وعلى الآخر أن يدور باتجاه الأسفل وذلك انظلاقًا من مبدأ حفظ الزخم الزاوي.

والآن إن نظرنا إلى هذا الجسيم من زاوية ميكانيكا الكم التي لا تكترث إن كان دوران الجسيم للأعلى أم للأسفل، من هنا ستنشأ الاحتمالية المصاحبة لذلك. لكن إن كان أحد الجسيمين يلتف نحو الأعلى فحتمًا الآخر يلتف أو (يدور) نحو الأسفل، والعكس بالعكس. لكن إن قام أحد بقياس الخصائص الفيزيائية للأول، وقام آخر بقياس الخصائص للثاني ورغم الأميال التي تفصل بينهما، سنتمكن من قياس هذه الخصائص في الوقت ذاته تقريبًا، أي لن يكون هناك انتقالٌ للمعلومات بينهما بسرعة الضوء بين الجسيمين.

ولو قربنا الجسيمين من بعضهما البعض وقمنا بأخذ القياسات ذاتها، سنجد أن النتائج في كلتا الحالتين متطابقة. إذا وبطريقة ما سيعرف أحد الجسيمين إن كان الآخر قد تم عليه القياس أم لا، سيبدو الأمر وكأن اتفاقًا عُقد بينهما، وهذا الاتفاق لحظي.

سيبدو هذا وكأنه خارج عن النسبية الخاصة، لكن التجربة أثبتت أن التشابك الكمومي أمر حقيقي. لا ننكر صعوبة شرحه، لكننا لا نستطيع أن ننكر أبدًا أن هذا أضحى أمرًا واقعًا نلمسه كل يوم في مجال الحوسبة والاتصالات.

ببساطة، التشابك الكمومي هو المستقبل.

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    جان-دومينيك بوبي، الفراشة وجهاز التنفس تحت الماء

    Previous article

    لماذا تخيفنا افلام الرعب

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in علوم