علوم

نحن والروبوتات وديستوبيا سايبر بانك الكلاسيكية

0
ديستوبيا الروبوتات

على عكس المعتقد السائد في أفلام وروايات الخيال العلمي، سيطرة الروبوتات التي ستحصل على أرض الواقع لن تبدأ على شكل هجوم عسكري بأجساد معدنية مسلحة، وقد لا تصل بأي مرحلة إلى هذا النوع من التواجد – هذا بالطبع لو كانت الروبوتات بذاك الذكاء وكانت قادرة على الإنقلاب على أسيادها البشر. على عكس ما نراه في أفلام مثل Terminator و iRobot لن تحتاج الروبوتات لأي وجود مادي كي تعيش للأبد، كل ما تحتاجه هو بضع حواسيب موصولة ببعضها، وبعض الثدّيات الذكية التي يمكن لهذه الروبوتات التحكم بها بسهولة دون أن تشعر.

لا أعتقد أن نهاية العالم ستكون على يد الروبوتات، على الأقل لن تكون مأساوية كما يتم تصويرها في كثير من الأعمال، طالما يمكن للروبوتات التحكم بنا بسهولة من وراء الستار، ما الداعي للتخلص منّا؟ نحن في النهاية نعمل على تطوير هذه الروبوتات وتنميتها وتقديم الطرق الجديدة التي يمكن لها أن تستغلها لتسيطر علينا أكثر فأكثر، نبني لها الخوارزميات ونوفر لها أطناناً من البيانات -بياناتنا- لتقوم بالأعمال بأفضل شكل ممكن، أفضل حتى من صانعيها البشر.

ربما لم نصل لتلك المرحلة بعد، وربما وصلنا، ربما يكون الوهم الذي نعيشه بأننا لا نزال الكائن الأقوى على وجه هذا الكوكب هو جزء من خطة الروبوتات الأكبر. ما الذي يفسر استمرار وجود شبكة الانترنت واستمرارها حتى الآن؟ صمودها حتى بعد كل تلك الحروب والكوارث الطبيعية؟ مسارعتنا للعمل على تعويض ما تم إتلافه منها مهما كان الثمن؟ هل صور القطط وفيديوهات الحيوانات الأليفة مهمة لتلك الدرجة؟

قبل أن تلعن المقال وتخرج، لا أؤمن حقاً بأن الروبوتات تسيطر على العالم، نظرية المؤامرة هذه مستبعدة جداً حتى لو كانت “رومانسية” بما فيه الكفاية لتجعلك تفكر في الأمر قليلاً. ولكن ثورة الروبوتات، مهما كان شكل هذه الثورة، قريبة ونحن نشهد اللحظات الأولى منها اليوم.

الثورة الصناعية نقلت العالم من السيف والرمح إلى البنادق العملاقة والطائرات الحربية والمدرعات الضخمة، ثورة الميديا نقلت العالم من أمواج الراديو المسموعة إلى أمواج الراديو المرئية، من المذياع إلى التلفزيون، ومن ثم جائت ثورة الإنترنت لتنقل العالم من المركزية الإعلامية إلى اللامركزية والحرية في الوصول والنشر للجميع، كل ثورة أضافت على ما جاء قبلها وحاولت تقليص عدد المهام التي على الإنسان القيام بها:

الأسلحة الضخمة التي سهلت حصد أرواح الآلاف دون عناء، المذياع الذي سهل نشر المعلومات بين الناس، والتلفزيون الذي دخل لكل منزل ليقدم جرعات ترفيهية بأقل جهد ممكن من طرف المشاهد والمؤدي على حد سواء، لم يعد الممثل بحاجة لأن يجوب البلاد ليقدم عمله المسرحي كي يعلم الناس بوجوده، مرة واحدة أمام الشاشة تكفي لتخليد العمل إلى الأبد.

ومن ثم الانترنت؛ أصبح كل شيء أسرع بملايين المرات من قبل، يمكن لأي شخص في أي مكان من العالم تعلم النظريات الفيزيائية المعقدة والمساهمة في تشكيلها، يمكن لشخص في الصين أن يشاهد فلماً إباحياً مصنوعاً في السويد على حاسوبه المبرمج في الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن لجدتك أن تشاهد فيديوهات القطط اللطيفة في الساعة السابعة صباحاً من كل يوم جمعة، ولخالتك أن ترسل لك تهنئة بصباح اليوم الجديد من خلال تطبيق بسيط على هاتفها.

ماذا بعد؟ النسق يشير بأن الخطوة التالية ستهدف لتقليص عدد مهام البشر، وهذا ما نراه اليوم، كل الخدمات الجديدة وكل الأجهزة والبرمجيات التي يتم تطويرها تهدف لهذا، سواء من البرامج المخصصة للاستهلاك اليومي كإنستغرام الذي يقدم “فلاتر” جاهزة بدلاً من تعديل الألوان اليدوي الذي قمنا به لسنوات على برامج مثل فوتوشوب، وحتى القيادة الآلية للسيارة، الأمر الذي نفتخر فيه كجنس بشري ككل ونقيم له مدارس وشهادات رسمية وأطنان من القوانين التي تحتاج أشهر طويلة لتعلمها.

لم تعد السيارات ذاتية القيادة والأجهزة التي تستجيب لأمرك بمجرد الحديث معها والكاميرات التي تستطيع تحويل الصور إلى كلمات لتصفها لك عندما تكون مشغولاً بأمر آخر أو حتى البرامج التي تستطيع فهم روتين استخدامك لأدواتك المختلفة وتقوم بترتيبها في واجهة جهازك الافتراضية بدلاً من أن تقوم بذلك بنفسك، لم تعد هذه الأدوات “الخطيرة” جزءً من المستقبل، بل من الحاضر.

الذكاء الاصطناعي والمستقبل

الذكاء الاصطناعي العام، هو نوع الذكاء الاصطناعي الذي يمتلك فيه البرنامج أو الروبوت قدرة على التعلم من خلال التجربة والخطأ مثل الانسان تماماً، ليس لمهمة واحدة فقط كما هو موجود الآن وإنما بشكل عام؛ الذكاء الاصطناعي العام -إن تم تطويره كما هو متوقع- سيكون كائناً قادراً على أخذ قراراته الذاتية، بناء المنازل وزرع الحدائق، تعلم ما يمكن أن يقتل الانسان وما يمكن أن ينفعه، وحتى تعلم كيف يستنسخ نفسه في بعض السيناريوهات كل هذا دون الحاجة لتدخل الإنسان على الإطلاق.

تشير الكثير من الأبحاث أن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي لن يبدأ بالظهور حتى في إصداراته الأبسط والأكثر بدائية قبل عام 2075، وحتى لو افترضنا أنه لن يكون موجوداً على الإطلاق، المشاريع الأخرى التي تعمل عليه الكثير من الشركات اليوم ربما تشكل تهديداً أكبر بكثير لبنية المجتمع كما نعرفها اليوم.

إنتاج كائنات ذات وعي ذاتي قادرة على إعادة إنتاج نفسها أمر مرعب بحد ذاته، ولكن الأمر الأكثر رعباً هو أن تتحول أعمال السايبر بانك إلى حقيقة، وهذا ليس مستبعداً كما تعتقد.

السايبر بانك هو أحد تصنيفات الخيال العلمي التي تركز بشكل رئيسي على اندماج الإنسان بالآلة، وكيف يمكن لهذه العلاقة ولهذا النوع من التداخل بين الأجزاء الميكانيكية والعضوية أن يغير بنية المجتمعات الموجودة على سطح الأرض كلياً، كيف يمكن أن تستغل أداة يمكن استخدامها لتحقيق العدل بين الجميع وتقديم فرص متساوية إلى أداة لخلق الفوضى والظلم.

المستقبل المرسوم في الكثير من أعمال السايبر بانك الكلاسيكية أصبح جزءً من واقعنا اليوم، مع تحول المشهد الديستوبي الكلاسيكي الموجود في أغلب هذا النوع من الأعمال، الشاشات العملاقة التي تعرض الإعلانات ليراها كل سكان المدينة، ولتظهر الفوضى التي يعيشها العالم، تحولت هذه الشاشات من جزء من الديستوبيا الخيالية، إلى مشهد حقيقي موجود في أغلب مدن العالم الكبرى اليوم.

يمكن النقاش أن الإنسان والآلة اندمجا منذ وقت طويل، الهاتف المحمول اليوم يعتبر امتداداً لا يمكن فصله من الإنسان، الكثير من البشر الذين يعانون من إعاقات يستعينون بآلات لتعويض الأعضاء المتضررة، الأطراف الاصطناعية ظهرت منذ آلاف السنين ولا يمكن اعتبارها جديدة على الإطلاق، أجهزة المساعدة في السمع، النظارات الذكية، الكاميرات ومسجلات الصوت، كل هذه الأجهزة أصبحت جزءً من حياة الإنسان ولا يمكن القول أنها تعكس الشعور الدستوبي الموجود في السايبر بانك تماماً.

ولكن، لا يزال الموضوع جديداً جداً بالنسبة للبشر ولا تزال النتائج التي ستصدر عن استخدام هذا النوع من الأدوات مبهمة حتى بنظر الأشخاص العاملين في هذه الصناعة.

في أحدى المقابلات التي أجراها إيلون ماسك قبل سنة تقريباً، تحدث عن أحد المشاريع التي وضعت دماغي في “وضع التفكير” على وزن “وضع الطيران” والتي تهتم ببناء واجهة استخدام رقمية داخل دماغ الإنسان، الطريقة الأبسط لشرح ما يهدف إيلون ماسك وشركته نيورالينك لفعله هو توفير نظام تشغيل يمكن استخدامه بواسطة الدماغ مباشرة، دون الحاجة للوحة مفاتيح، أو شاشة إدخال لمسي، أو حتى الحديث.

هذا النوع من الأجهزة المرعبة، يعمل عليه أحد أكثر الأشخاص المشهورين بالتخوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي في المجال التقني اليوم، كان أمراً محيراً جداً بالنسبة لي.

ما الذي سيحصل لو أصبح هذا الأمر حقيقة؟ لو أصبح الأمر سهلاً لدرجة يمكن لأي شخص فيها الحصول على شريحة نيورالينك الدماغية وأصبح لدى جميع الناس امكانية الوصول لجميع المعلومات المتوفرة على الإنترنت بنفس السرعة والفعالية، كيف ستتحول الحياة الأكاديمية لملايين الطلاب، كيف سيتم إنشاء نظام تقييم غير مبني على سرعة الوصول إلى المعلومات، ولا على مقدار المعلومات، حيث يصبه هذين العاملين خارج المعادلة تماماً؟

أو الأسوأ من هذا، ماذا لو كانت هذه الشريحة حكراً على شريحة محددة من المجتمع، الفئة الغنية القادرة على شرائها؟ ألن يجعل هذا الفجوة بين طبقات المجتمع أكبر فأكبر مع كل يوم، المعلومات هي الثروة الحقيقية في عصر مثل هذا، وأداة كهذه ستجعل للأغنياء قدرة على الحصول عليها بطريقة أكثر فعالية بملايين المرات من قدرة الفقراء عليها.

ديستوبيا سايبر بانك كلاسيكية إن سألتني، هذا ما سيحصل.

عودة إلى الحاضر

هناك عدد ضخم جداً من الأدوات المفيدة التي يمكننا استخدامها اليوم والتي تستغل الذكاء الإصطناعي للقيام بوظفيتها، بعض الهواتف المحمولة تحتوي رقاقات معالجة خاصة ببرامج الذكاء الاصطناعي لاستغلالها في المستقبل، والكثير من المجالات الترفيهية تم اجتياحها من طرف الروبوتات، سواء تلك الجدية او الهزلية، عشرات الروبوتات التي تدير صفحات الفيسبوك وتنشر منشورات مثل مخططات المنازل العشوائية، أو عناوين الأخبار الكاذبة، أو توقعات المستقبل السخيفة، أو حتى نتائج حرب عالمية وهمية بين كافة دول العالم، هناك روبوتات تقدم ملخصات الأخبار وأخرى تصنع صفحات من روايات وهمية وروبوتات قادرة على رسم لوحتك بعشرات الأساليب الفنية لرسامين راحلين.

وهناك روبوتات أكثر “شراً” من تلك السابقة، هناك روبوتات قادرة على تدمير البنى التحتية كاملة لدولة صغيرة وأخرى قادرة على كتابة مقالات كاملة لا يمكن تمييزها عن مواضيع سياسية وحياتية وروبوتات قادرة على تمييز شخص بين عشرات آلاف الأشخاص وملاحقته عبر كاميرات منتشرة حول المدينة.

حتى دون الذكاء الإصطناعي العام ودون الشرائح الدماغية ودون دمج الإنسان بالآلة لا تزال الروبوتات مخيفة، وفجأة تبدأ نظرية المؤامرة التي قرأتها في البداية تبدو أكثر وأكثر إقناعاً.

بأي حال، كل ما يمكننا فعله الآن هو الجلوس والانتظار، ربما الثورة لن تحصل قبل انتقالنا جميعاً للحياة الآخرة، ولكن في حالة الاحتمال البسيط الذي يتضمن بقائنا على قيد الحياة لنرى نتائج هذه الثورة، لنأمل أن القادة الروبوتيون سيكونون رحيمين بطريقة تخلصهم من البشر الزائدين على وجه الأرض.

هادي الأحمد
مهتم بالتقنية، الأنمي، العاب الفيديو، والكوميديا الساخرة... وبعض الأشياء الأخرى.

البرقية الأخيرة: رسالة عبد الرحمن إلى غادة السمان

Previous article

السفر والعَولمة: قصة حزينة

Next article

You may also like

Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

More in علوم