حياة

شبكات التواصل.. الوسواس الحاكم للعصر الجديد

0
السوشال ميديا

إن مضينا في رحلةٍ تصف نهارًا عاديًّا للغاية لشخصٍ لا تتجاوز مهامه مهام إنسانٍ يحيا حياةً طبيعية، بمعنى أنه ليس شخصًا من أولئك الذين تتغير مقادير ثرواتهم بين ثانيةٍ وأخرى، سنجد أنّ هذه الرحلة ستسلك المسار الآتي لدى معظمنا: نستيقظ، وجبة فطور، عمل، عودة إلى المنزل، بعض الوقت مساءً، والفترة الليلية تختلف من شخصٍ لآخر.

سأتناول الأمر بمزيدٍ من التفصيل، وطبعا لست بصدد أن أصف يومًا عاديًّا، لكن تحديدي هنا سيقتصر على أمرٍ واحد هو وسائل الاتصالات والإنترنت هو الطاغي على هدفي هذا بنسبة 90 %.

صباحًا، وقبل أن ينهض الكثيرون من فراشهم، قبل حتى التفكير بأحلام الليلة، أول ما يلتقطونه هو الهاتف المحمول، ويفتح الهاتف المحمول وتبدأ فترة التقليب بين الرسائل (وأحيانًا الرد) ثم الانتقال إلى تصفح السوشال ميديا (وغالبًا بلا هدف)، وهنا تخيل معي لو كان هذا الشخص من أصحاب حسابات السوشال ميديا المتعددة (فيسبوك، تويتر، سناب شات، انستغرام، لينكد إن، تومبلر…..) سنصل إلى نتيجةٍ مفادها أن هذا الشخص سيمضي حوالي 15 عشرة دقيقة في تصفحٍ لا يرمي من ورائه شيء سوى أن ذلك أصبح عادةً يومية قاربت الإدمان.

قُضي الأمر، ولم يحدث وأن بدأ هذا الشخص محادثةً صباحية، سينهض ويغتسل على الفور ثم سيذهب إلى عمله، وهنا لن نغفل ذكر أنه حتى لو حدث وجلس إلى مائدة الإفطار، فغالبًا سيتابع مسيرة التصفح. يذهب إلى عمله، وإن لم يكن من أصحاب وسائط النقل ولو حدث واستخدم وسيلة نقل عامة سيتابع هذا السيناريو، وحتى إن ذهب مشيًا على الأقدام فقد لا يعاف جواله.

في العمل، وخصوصًا إن كان قطاعًا عامًا من تلك القطاعات التي تمتاز بروتينية عملها، لعل الفترة الأكبر التي سيغادر الجوال يد هذا الشخص فيها سيكون ربع ساعة لا أكثر.

ويستمر هذا السيناريو، فبدلًا من حوارٍ عائلي مسائي، سيلتقط الجميع جوالاتهم، ستراهم يبتسمون لأشياء تصلهم ويشاهدونها على هذه الشاشات، والصمت يعم جو هذا السهرة (العائلية). ويمضي الزمن والنتيجة كلٌّ يعيش غربته الخاصة عن الآخر. بالطبع هناك جولة تصفح مكررة للمرة الألف قبل النوم، وإن لم يتوسد الشخص جواله، فهو سيضعه بالقرب من رأسه حتمًا.

الأمر لا يختلف كثيرًا في حال الخروج من المنزل أو النزهات العائلية، فقد أصبح نادرًا للغاية أن تشاهد مجموعة لا يمسك أحد من أفرادها بجوال.

حسنًا، ألا نشعر بأن هنالك أمر ما، ما سبب ذلك، لماذا نفضل الركون إلى ما يأتينا عبر هذه الشبكة ولماذا فضلناها على واقعنا؟ والأهم ما آثار ذلك النفسية والجسدية على بني الإنسان.

أسباب إدمان السوشال ميديا

إدمان السوشال ميديا كأي إدمان آخر، بمعني أن التخلص منه ليس أمرًا هينًّا. ولهذا الإدمان عدة أسباب نفسية واجتماعية، وليس هذا فقط بل ترتبط أسبابه بكيميائية الجسم أيضًا وربما هذا السبب المغفل الذي لا نلتفت له كان الأهم، فقد تبين أن السوشال ميديا تؤثر نفسيًا على الإنسان بتحفيزها مراكز المكافأة في الدماغ وذلك عبر تنشيط إفراز الدوبامين في هذه العملية، ولمن لا يعلم: الدوبامين هو مادةٌ كيميائية مسؤولة عن مشاعر السعادة والفضول والرغبة والإثارة.

إن تواجد الشخص على مواقع التواصل الاجتماعي يزيد من إفراز هرمون الدوبامين، ويخلق هذا إدمانًا لا يُقاوم. وقد بينت دراسة شملت العديد من الأفراد أنهم أقروا بأن إقلاعهم عن التدخين أو عن الكحول كان أسهل من الإقلاع عن مواقع التواصل الاجتماعي، وسبب ذلك كما يقول 56% منهم خشيتهم أن يفوتهم أمر هام. كما أن نسبة 60% ممن شملتهم الدراسة اعترفوا ببساطة بأنهم مدمنون على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكما أسلفنا، لقد أصبحت هذه الشبكة هي الملعب والميدان الذي تدور فيه حياة الكثيرين، فمن الطبيعي أن مجتمعهم وأصدقاءهم أصبحوا في هذا العالم أيضًا، فإن حدث وسألت أحد هؤلاء المدمنين لماذا تضغط زر الإعجاب عمومًا، ستجد أن بعضهم فعلًا أعجبوا بما قرأه أو شاهدوه، لكن هناك نسبة لا يستهان بها تعجب بما يُنشر كنوع من رد إعجابٍ مقابل (واجب)، وأحيانا يصل الأمر بأن يُعتبر عدم الإعجاب نوعًا من الاستهتار بالشخص ذاته. ونذكر أن هناك نسبة تُعجب فقط دون أن تعرف لماذا أو على ماذا.

بالنتيجة، يُقدر عدد الدقائق التي يقضيها الشخص وسطيًّا على السوشال ميديا 135 دقيقة يوميًّا.

جوانب سيئة للسوشال ميديا

مهما كان ما تدمنه جيدًا، يبقى الإدمان بحد ذاته مشكلة إن لم نصفه بالسيئ. وتتمثل الآثار السيئة لإدمان السوشال ميديا بتأثيرها السلبي على حياة الفرد الخاصة والمهنية والاجتماعية. فأولًا، تفتقر العائلة اليوم إلى التواصل ولا تعدو العائلة أن تكون مجموعة من الأفراد يحيون في مكانٍ واحد ولهم عدة عوالم مختلفة. لا ننسى أيضًا مدى تأثير انشغال الشخص بما هو موجود على السوشال ميديا عن مهامه العادية. لم تعد الأم تولي طفلها أو منزلها الرعاية المطلوبة، وكذلك الأب، وتشتت التركيز هو سيد الموقف في كل شيء، فالذهن يعمل على جبهات عدة.

وحتى العلاقات العاطفية تراجعت بشكلٍ كبير، فمع سهولة التعارف والتواصل وأحيانا الاتفاق على السوشال ميديا، حين يصل هذان الشخصان إلى أرض الواقع سيجدان أنفسهما وجهًا لوجه أمام هوة سحيقة عنوانها الخيبة، فما أسهل الكتابة والكلام ونحن لا نظر بعين الشخص مباشرة لنلتقط انطباعاته ومشاعره.

والعلاقات الاجتماعية أيضًا ليست في حالها الأفضل، وكن على يقين أنه كلما ارتفع عدد من يتفاعل الشخص معهم على السوشال ميديا، تراجع أداؤه الاجتماعي على أرض الواقع، لعلّ السهولة هي السبب. وكرد فعل على هذه العزلة، يكثر الشخص من منشوراته ومشاركاته كمحاولةٍ منه إلى الظهور أكثر أو لإبعاد شبح سوء فهم الآخرين له. كنتيجةٍ لذلك سيخطر في بالك أن كل من هم في هذا العالم ملائكة.

الأسوأ، حتى علاقة الشخص بنفسه أصبحت أسوأ، إذ لا يخفى على أحد مقدار السوء الذي سيشعر به الفرد إزاء نجاحات الآخرين (التي لا نعرف حجمها أو تأثيرها) والتي يشاركونها على السوشال ميديا، ربما سيخطر في بالنا أننا نعيش تعاسةً حقيقيةً ولا أحد يهتم بنا حين نشاهد مقدار المشاعر التي تفيض في هذا العالم تجاه شخصٍ ما. حتى جماليًّا، ومع علمنا لبرامج تعديل الصور وغيرها من حركات السوشال ميديا، لكنّ ذلك خلف آثارًا كبيرة تشهد عليها مبيعات مساحيق التجميل وغيرها، لقد أصبح حتى الجمال والأناقة تريندات تكتسح الشبكة لفترة ويقلدها الجميع إلى أن تُهزم أمام تريند جديد.

ماذا يعني ذلك للمستقبل

من زاوية ضيقة لمشاهد غير مدمن على السوشال ميديا لكنه محاط بمدمنيها، أرى أن الأمر بالغ الخطورة مستقبلًا، فإن استمر الأمر على هذا المنوال سيختفي القراء والفاعلون أيضا، سنصل إلى مرحلة الجميع فيها يصبح متلقيا منفعلا، وقلة قليلة جدا هي الفاعلة، والتي تنشر التريندات ووجهات النظر ليتباها قطيع عالمي أممي، سيتضاءل إحساس البشر ببعضهم بعضا، فالشبكة تنقل كل شيء إلّا الأشياء الملموسة والمحسوسة التي تشكل انطباع وذاكرة الإنسان عن حدث أو شخص معين.

وكلمة الحق يجب أن تُقال، فلا يمكن لأحد بأي حالٍ من الأحوال أن ينكر فضل السوشال ميديا، فهي سبب في التواصل عن بعد والذي مكن الناس من العمل حتى عن بعد، أي أنها مسؤولة عن كسب كثيرين لرزقهم، كما أنها قربت كل بعيد، وجعلت نقل الأخبار لا يستغرق زمنًا طويلا، فهو يحدث مباشرة وحال وقوعها.

السؤال، ما هي نسبة المستفيدين الحقيقيين من السوشال ميديا في تأمين مصدر رزق، وهل يبقى هؤلاء البعدين على اتصال على مدار الساعة مع أحبائهم… هل يتطلب ذلك كل هذا الزمن الذي نقضيه على السوشال ميديا؟

نجوى بيطار
Chemical Engineer, beginner writer, editor. astronomy and physics addict.

    تفوق.. نجاح.. ثروة.. جمال.. سلطة.. هل هي مفاتيح الحياة حقًّا

    Previous article

    جان-دومينيك بوبي، الفراشة وجهاز التنفس تحت الماء

    Next article

    You may also like

    Comments

    Leave a reply

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    More in حياة