ثقافة

جولة ثقافية في كوكب اليابان -الجزء الأوّل

0

العولمة وحشٌ يحارب كل ما يتعلّق بالثقافات الأصيلة والهويّة المتفرّدة والعادات القديمة المتوارثة عبر الأجيال.. العولمة نجحت في تفتيت الأعمدة التي كانت ترتكز عليها الخصائص الثقافية للشعوب، فاندمج العالم حقا -إلى حد كبير- ليصير قرية كونية متشابهة، لا نكاد نُفلِح في التمييز بين أرجائها المتباعدة لولا ما تبقى من تراث ثقافي خاص بكل منطقة، تراث قادر على رسم الملامح الخاصة بتطوّر كل شعب وكل حضارة رسمًا يليق بقيمة التاريخ وكثافة السنين التي مرّت.

في هذا المقال، سنحاول تحدّي”الانفصام الثقافي” الذي عرفته اليابان في السنوات الأخيرة، وذلك سعيًا مِنَّا لاكتشاف تقاليد الشعب الياباني كما ينبغي، عبر رحلة تُمِدُّكم بما يكفي من معلومات لكي تكتشفوا جانبًَا مختلفًا من الوجود البشري في هذا العالم، وتُزوّدكم بأفكار قد تفيدكم في حال السفر إلى “كوكب اليابان”.

1/ لا تُفوِّتوا ساكورا

الهانامي -Hanami

هانامي

الرّبيع هو أكثر الفصول اكتظاظًا بالسّياح في اليابان، حيث يحجّ إليه المسافرون من أنحاء العالم ليُشاركوا اليابانيين واحدًا من أشهر تقاليدهم: “هانامي” أي: متعة مشاهدة أزهار الكرز، والذي يتمّ عادة في إطار نزهة فردية/رومنسية/عائلية تحت أشجار الكرز الوردية في أوجّ موسم الإزهار (الذي لا يدوم سوى بضعة أيام ويختلف حسب المنطقة)، يتناول خلالها الأفراد الطعام ويلتقطون الصور ويستمتعون بجمال المشهد.

جبل يوشينوياما- Mount Yoshinoyama

أشجار الكرز لها دلالة تاريخية وثقافية وتكاد تكون مقدّسة في اليابان، وهي منتشرة بكثرة في مختلف أنحاء البلد، لهذا فهناك الكثير من المناطق المناسبة لعيش هذه التجربة، إلاّ أنّ أفضل مكان في اليابان لمشاهدة الساكورا (أزهار الكرز) هو Mount Yoshinoyama في منطقة Nara، وهو جبل تمتدّ على منحدراته حوالي ثلاثين ألف شجرة كرز، يقال أنّ بعضها غُرِس قبل 1300 سنة.. تخيّلوا حجم السِحر المعلّق في المكان عندما تزهر كل الأشجار ويلبس الجبل حلّة زهرية خرافية!

جبل يوشينوياما

إضافة إلى طقس الهانامي، والمهرجانات التي تُقام احتفالا بالساكورا، يؤوي جبل يوشينوياما عددًا مهمّا من المزارات والمعابد المتعلّقة بالديانات اليابانية التقليدية (البوذية، الشنتو، الشوقندو) التي يتجاوز عمرها الألف عام!

يُعتبر هذا الجبل منبعًا للكثير من الأساطير ومأوى لعدد كبير من الآلهة، وقد سُجِّل سنة 2004 في قائمة التراث العالمي لليونسكو.

قصة الهانامي

في اليابان القديم، منذ أكثر من ألف عام، كان العام الجديد يبدأ في الربيع ويرافقه موسم زرع الأرز وظهور الساكورا، ولهذا اعتقد اليابانيون أنّ إله الأرز مرتبط بأزهار الكرز، ومنه استمدّوا الإسم: سا (إله الأرز) وكورا (مقعد الإله)، أي أنّ هذه الأزهار كانت تُعتبر مُستقرا لإله الأرز، وكان يُستدَل بظهورها على أنّ الآلهة نزلوا من بيوتهم في الجبال وقدموا إلى القرى، وكانت تُقام لهذه الآلهة الصلوات وتُقدَّم لها القرابين أملاً في محصول وافر.

بمرور الوقت، تحوّلت هذه المراسيم من طقوس دينية إلى مهرجانات شعبية للإحتفال بالساكورا في عهد نارا (710-794)، ومن السّارِ أنّها مازالت صامدة إلى اليوم.

2/ جلسة مع الـ Geisha

أيّة زيارة لليابان دون المرور بالـGeisha هي حتما ناقصة ولا يُعترف بها.

من هنّ؟

الترجمة الحرفية لكلمة Geisha هي “صاحب الفنّ”، وهذه الكلمة دقيقة جدّا إذ أنّ وظيفة كلّ واحدة منهنّ هي “الإمتاع عن طريق ممارسة الفنون اليابانية التقليدية: كالغناء، الرقص، العزف على آلة الشاميسان التقليدية، ممارسة طقوس الشاي وفن الحديث”، فكأنّ الروح اليابانية الأصيلة سكنت أجساد هذه الفاتنات، وتجسّدت فيهنّ!

يتمّ استئجار الـGeisha خلال وجبات العشاء أو الاحتفالات الخاصة -مثلا- لتقديم عروضهنّ الفنّية وتسلية الحضور بالحديث وألعاب الشرب (التسلية لا تتضمّن اللهو الجنسي أو الدعارة كما يعتقد الكثير).

أين تجدهنّ؟

من المحزن أنّ عدد الـGeisha في السنوات الأخيرة قد لا يتعدّى الألف في اليابان كلّها، بينما كان يتجاوز 80 ألف في القرن الماضي؛ هذا التراجع الهائل سببه انكماش الجمهور -الياباني خصوصا- المهتمّ بمثل هذه الخدمات في عصر تعصف به وسائل المتعة الاستهلاكية الجاهزة.

تراجع الاهتمام أدّى إلى غلق العديد من المطاعم والمرافق التي كانت تستضيف هؤلاء النسوة لخدمة الزبائن، ممّا أدّى إلى انحسار مراكزهنّ في ثلاثة مناطق: طوكيو وكانازاوا، وكيوطو (العاصمة الألفية لليابان القديمة ولثقافتها).

أفضل مكان لتتبّع الـGeisha في اليابان هو مقاطعة جيون Gion District في وسط كيوطو. هذه المقاطعة تجمع أهم مقرّات الـGeiko (اللقب الذي يُطلق عليهنّ في كيوطو) التي مازالت صامدة إلى يومنا هذا، كما تضمّ عددا من المراكز التي توفّر للأجانب تجربة “انتحال” شخصية الـGeiko لبضعة ساعات من خلال تقديم الماكياج واللباس المناسب.

مراكز تدريب الـGeisha

ظهرت الـGeisha في بداية القرن الثامن عشر كأسلوب لتسلية الحضور أثناء تناول الوجبات أو خلال الحفلات والمناسبات، وكان يمارسها آنذاك الرجال. بمرور الوقت، انتقلت هذه الحرفة للنساء وكانت تلاقي شهرة واسعة ورواجا كبيرا في أغلب التجمّعات السكانية اليابانية.

كلّ من تريد أن تصير Geiko يمكنها ذلك، بشرط أن تتّخذ القرار مبكّرا، ففي الغالب تلتحق الفتيات بمراكز تدريب الـGeiko عن عمر الـ15 سنة، ويعتكفن في هذه المراكز لخمسة سنوات يصِرن خلالها “Maiko” أي “Geiko متدرّبات” وينشغلن بتعلّم الفنون اليابانية التقليدية وتقديم العروض الفنية للزبائن بالتوازي مع ذلك.

اليوم، عدد الفتيات المهتمّات بممارسة هذه الوظيفة يتضاءل بمرور الوقت، ومراكز الـGeisha تنحسر أكثر بالتدريج؛ فأن تكون Geiko يعني أنّ أسلوب حياتك مختلف تماما عن أيّ إنسان آخر على وجه الأرض، وأنّ حرّيتك الشخصية محدودة إلى حدّ كبير.. لكن من جهة أخرى، هذا الاختلاف المغري هو بالذات ما يخلق حولهنّ هالة الدّهشة.

3/ زيارة مقرّات صناعة الورق الياباني التقليدي

الورق الياباني التقليدي”واشي-Washi” يُصنع يدويا في اليابان انطلاقا من نبات التوت (Mulberry) الياباني، ويقال أنّ هذه الحرفة دخلت اليابان مع الرهبان البوذيّين الصينيين، وانتشرت ممارستها في اليابان منذ أكثر من 1300 سنة، وقد أُدرِجت هذه الحرفة في لائحة التراث الثقافي غير المادّي لليونسكو سنة 2014م.

يُستعمل “الواشي” للكتابة، صناعة الكتب والفوانيس الورقية، ممارسة فن الأوريغامي، وحتى لصنع الأبواب المنزلقة التي تميّز المنازل التقليدية اليابانية.. كما يستعمل في معالجة الوثائق القديمة لأنّه رفيع جدا وأكثر مُقاومةً من الورق العادي.

ورق واشي ملوّن

هذا الورق مشهور بنوعيته الفخمة، إلاّ أنّ استعماله في اليابان عرف انحصارا كبيرا بسبب ثمنه المرتفع مقارنة بالورق المصنّع العادي، ولهذا فقد بدأت صناعة الواشي تتلاشى تدريجيا في السنوات الأخيرة، وبقيت مركّزة في ثلاثة تجمّعات أساسية هي:

  • مدينة ميسومي في مقاطعة ناكا، محافظة شيمانه (Shimane Prefecture).
  • مدينة مينو في محافظة جيفو( Gifu Prefecture).
  • قرية هاجاشي شيشيبو (Higashichichibu Village) في محافظة شايتاما (Shaitama Prefecture) .
معمل صناعة الواشي

يمكن للزوار المهتميّن بهذه الحرفة زيارة قرية Washi no Sato في هاجاشي شيشيبو (محافظة شايتاما) أين سيتسنّى لهم التعرّف على طريقة صناعة هذا الورق وتجربة صنع ورقهم الخاص والتوغّل في خبايا هذه الفنّ أكثر؛ كما يوجد في مدينة مينو متحف خاص بالواشي: Mino Washi Museum.

ورشة تدريبية للزوار في معمل Washi no Sato

اليابان مليئة بالتقاليد العريقة والمتفرّدة، سنحاول المرور عليها في الأجزاء المقبلة من هذه السلسلة.. فتابعونا!

أميرة قاسيمي
مِن الذين يُريدونَ أن يَترُكوا فِي هذا العالم أثرًا مُزهرا.

حان الوقت لدخول عصر علمي جديد مع الكمبيوترات الكمية

Previous article

عن مخترعي آيفون الحقيقيين الذين لم تسمع عنهم من قبل (الحقيقة وراء ايفون)

Next article

You may also like

Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

More in ثقافة