حياة

السفر والعَولمة: قصة حزينة

1
Travel


أنا أؤمن أنّ للسفر فائدتين أساستين: خوض التجربة واكتساب المعرفة عبر الاكتشاف، وكذلك أنّهُ ممكن بطريقيتن: الترحال والاطّلاع (عبر الوثائقيات، الكتب.. الخ)، مع تفضيل الطريقة الأولى على الثانية لما تتفوّق به مِن جَمعٍ لكلّ ما للسفر من فضائل كفيلة بأن تُقدِّم للمسافر تجربةً حسّية وإنسانية ومعرفية كاملة (طعام، متاحف، صداقات جديدة، مكتبات، عروض فنّية، مشاهد طبيعية..الخ) .

علينا أن نعترف أنّ القرن الواحد والعشرين قد نجح في تقليص المسافات بين القارّات والدّول، وأتاح تجربة السفر لعدد أكبر من البشر (المصنّفين ضمن طبقات اجتماعية متباينة)، وهذا أمر ممتاز. لكن من جهة أخرى، فإنّ أكثر ما يدعو للحزن بالنسبة لنا كبشر يمارسون الحياة في القرن الواحد والعشرين هو أنّنا فقدنا أحد أهم ما يقدّمه السفر، وهو: اكتشاف الآخر.

“الآخر” هو ذلك الانسان المختلف عنّا بتاريخه و/أو لغته وأفكاره ويومياته وطعامه ومشاكله وأحلامه، “الآخر” الذي يصيبنا بالدهشة عندما يضع أمامنا طبقًا يأكله كل يوم، أو يرينا كيف يبني منزله، أو يحكي لنا عن أيّة تجربة عابرة مرّ بها في حياته.. يصيبنا بالدهشة لأنّ ما يقدّمه مختلف، غريب، غير متوقّع، ومتفرّد جدّا للحد الذي يملؤنا بنشوة المعرفة والاكتشاف.

هذا “الآخر” الذي كان الانسانُ يحاول اكتشافَه والتعرف عليه ومشاركته تجاربه ومعارفه من خلال السفر بدأ يتلاشى تماما في القالب الاستهلاكي الجاهز الذي فرضته العولمة على أبناء هذا العصر البائس؛ لقد أفلحت العولمة في إزالة معظم الفوارق التي كانت تميّز الشعوب والأمم:

  • صار الجميع يلبسون بالطريقة نفسها، أين اختفى الكيمونو الياباني والحايك الجزائري والقفطان الروسي من الواقع اليومي لمجتمعاتهم؟ كل سكّان الكوكب يلبسون اليوم أقمصة متشابهة ويملكون نسخا من نفس البدلات الرسمية ويتسوّقون في متاجر نفس الماركات.
  • الطعام التقليدي الذي يميّز كل ثقافة وكل منطقة صار مُخصّصا للولائم والمناسبات، الأكل الجاهز والمنتوجات المعلّبة احتلت قوائم وجباتنا.
  • اللغة الإنجليزية تجتاح حواراتنا الشخصية -خارج نطاق العمل والدراسة والحاجة المعرفية-، والديكور الغربي للمنازل يجذب عددا أكبر من الذين يلتفتون للقطع التي تمثّل هويّتنا.

النقاط السابقة مجرّد أمثلة بسيطة عن حقيقةٍ تجذّرت بالفعل في العالم بأسره: أنّنا -معظم سكان العالم- شعوبٌ تقمّصنا أسلوب الحياة الغربي والحلم الأمريكي، وتجاوزنا مقوّمات هويّتنا، أو فلنقل أنّنا وضعناها جانبا.

لهذا، حين تريد أن تتعرّف على ثقافة بلد ما، لا يكفي أن تسافر إلى ذلك البلد، ستضطر لزيارة دور الصناعات التقليدية والمتاحف، ستضطر للتحاور مع الشيوخ والعجائز، فأغلب الشباب لم يُعايِشوا الفترة التي كانت فيها ثقافتهم “حية” و”رائجة”، وأغلب الشوارع والمتاجر ستكون مشابهة تماما لما تركتَ في بلدك.. عندما قامت العولمة بجعل العالم قرية كونية متلاحمة، حذفت -بالمقابل- خصوصياتنا المجتمعية، فصرنا جميعا نسخًا مملة عن بعضنا البعض.

قد نستطيع تلخيص كل ما سبق في “مشهد” واحد: عندما تزور بلدا جديدا -مهما كان بعيدًا عنك جغرافيا وتاريخيا-، لن “تُصفع” بمدى اختلافه عن بلدك، ستجد الكثير من الأمور المتشابهة.. حتى عندما تتحدّث مع السكان، ستعثر على الكثير من حياتك اليومية في يومياتهم.. المميّز جدا عن كل ما تعوّدناه، تلاشى ولم يبق منه سوى آثار الماضي.. وهذا أمر حزين جدا.

الحل الوحيد ربّما بالنسبة لكل من يقدّس الاختلاف والثراء الثقافي الذي ينتج عنه- الحل الوحيد هو باقتناص الفرصة وتسطير قوائم سفر مبنية على كل الأماكن التي مازالت تحافظ على أصالتها.. الكثير من الصناعات التقليدية والحرف الجميلة تندثر، حاولوا التعرف عليها قبل ذلك.. اختاروا قرى الألب التي مازلت تعيش بالطريقة التقليدية، زوروا محلات صناعة الشوكولاطة اليدوية، اذهبوا إلى اليابان وانظروا كيف يصنعون الورق منذ ألف عام، اذهبوا إلى أدغال إفريقيا قبل أن تنقرض حيواناتها ويأكل الإسمنت الأخضر واليابس، سافروا إلى كوبا الاشتراكية المُحاصرة واركبوا سياراتها القديمة.. سافروا بحكمة مادام هناك ما ينتظركم!

أميرة قاسيمي
مِن الذين يُريدونَ أن يَترُكوا فِي هذا العالم أثرًا مُزهرا.

نحن والروبوتات وديستوبيا سايبر بانك الكلاسيكية

Previous article

رحلة في تاريخ الإعلانات

Next article

You may also like

1 Comment

  1. سافر فانت لست شجرة

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

More in حياة